فتح الكاتب والصحفي الفلسطيني نظام المهداوي نافذة حادة على ما يجري في كواليس الحكم بأبوظبي، من خلال تغريدتين لافتتين يربط فيهما بين سحب أحد أهم الصناديق السيادية من يد الشيخ طحنون بن زايد ومنحه لابن الحاكم الفعلي للإمارات خالد بن محمد بن زايد، وبين رسائل سعودية مباشرة تعتبر طحنون «ضيفًا دائمًا» مرحبًا به في المملكة.

 

في هذه القراءة، يبدو المشهد أبعد من مجرد إعادة هيكلة مالية؛ هو، كما يصفه المهداوي، صراع عارٍ على السلطة داخل عائلة آل نهيان، تتداخل فيه طموحات ولاية العهد، وحسابات البقاء في الحكم، وحساسية العلاقة المهتزّة بين أبوظبي والرياض. تغريدة المهداوي الأولى ترسم الإطار العام لهذا الصراع، وتكشف دلالات نقل الصندوق السيادي إلى خالد بن محمد على عَجَلة:

 

 

سحب الصندوق من طحنون.. محاولة استباق العزل أم تحجيم منافس خطير؟

 

في قراءته لما جرى، ينطلق نظام المهداوي من خطوة محددة: سحب «أحد أهم الصناديق السيادية» من يد طحنون بن زايد، وتسليمه لخالد بن محمد. في ميزان السلطة داخل الأنظمة الوراثية، لا يُعتبر هذا مجرد إجراء إداري، بل إعادة توزيع منظمة لأدوات النفوذ: المال، والاستثمارات، وشبكات العلاقات العابرة للحدود.

هذه كلها كانت لسنوات في قلب نفوذ طحنون، الذي بُنيت حوله إمبراطورية مالية وأمنية تمتد من الصناديق السيادية إلى شركات الاستثمار والواجهة.

 

بحسب المهداوي، فإن هذه الخطوة تعني أن محمد بن زايد لم يعد يكتفي بإدارة توازنات داخل البيت، بل قرر الدخول في معركة «طاحنة» مع أخيه الطامح للحكم، عبر تجريد تدريجي لأدوات قوته، ونقلها إلى ابنه خالد.

في الخلفية، تاريخ طويل من الصراعات داخل آل نهيان، يصفه المهداوي بلغة قاسية عندما يتحدث عن «قراصنة ولصوص» و«غدر» داخل العائلة، في إشارة إلى أن ما يجري اليوم ليس طارئًا، بل امتداد لطبيعة بنية الحكم نفسها كما يراها.

 

نقل الصندوق السيادي في هذا التوقيت بالذات يقرأه المهداوي كإقرار ضمني من محمد بن زايد بأن «دوره شارف على النهاية»، وأنه يحاول استباق أي محاولة لإبعاده عبر تسريع مسار توريث ابنه، وتغذيته بسرعة بقوة المال والسلطة كي يتحول إلى ولي أمر الأمراء، لا مجرد وريث اسمي.

 

رسالة الرياض إلى طحنون.. بيت بديل وورقة ضغط

 

التغريدة الثانية لنظام المهداوي تنقل الضوء إلى الرياض، حيث يصف رسالة سعودية إلى طحنون بأنها بالغة الصراحة: «مرحّب به في المملكة متى شاء، من دون استئذان؛ فالمملكة بيته، وقيادتها أهله».

هذه الصياغة، كما يقرأها المهداوي، ليست مجاملة بروتوكولية، بل عرض سياسي صريح: السعودية مستعدة للتعامل مع طحنون «بديلًا» لمحمد بن زايد إذا اقتضت الظروف.

 

 

وفق هذا المنطق، فهم محمد بن زايد الإشارة سريعًا: الرياض لم تعد ترى فيه الشريك الموثوق بعد سلسلة سياسات يعتبرها السعوديون «طعنة في صميم أمنهم»، من التنافس في أسواق الطاقة، إلى المغامرات الجيوسياسية التي أحرجت المملكة في ملفات إقليمية معقدة.

النتيجة، بحسب المهداوي، كانت قرارًا متسرعًا بنقل الصندوق من طحنون إلى خالد، في محاولة لقطع الطريق أمام أي سيناريو تُفتح فيه أبواب الرياض لولي عهد بديل قادم من داخل البيت نفسه.

 

بهذه القراءة، تتحول خطوة نقل الصندوق إلى جزء من مواجهة ثلاثية الأبعاد: محمد بن زايد في مواجهة طحنون داخل الأسرة، وأبوظبي في مواجهة الرياض على مستوى الإقليم، وابن يحاول تثبيت قدمه على عتبة الحكم مستفيدًا من خوف أبيه من العزل.

المهداوي يرى أن السعودية، وفق «الوقائع»، تميل إلى تفضيل طحنون؛ ليس حبًا فيه، بل لأنه ورقة ضغط جاهزة في مواجهة حاكم إمارة تمادت في سياسة اللعب المنفرد.

 

صراع شياطين على السلطة.. لا براءة فيه لأحد

 

في خلاصة طرحه، يرفض نظام المهداوي أي محاولة لتلوين الصراع داخل أبوظبي بألوان أخلاقية. هو يصف ما يحدث بأنه «صراع شياطين على السلطة؛ لا فرق بينهم في الشر ولا في القذارة ولا في العمالة»، معتبراً أن انتقال النفوذ من محمد إلى طحنون أو إلى خالد لا يغيّر جوهر المنظومة، بل يغيّر فقط أسماء من يديرونها.

هذه اللغة، التي قد يختلف البعض مع حدّتها، تعكس قناعة راسخة لدى شريحة واسعة من الرأي العام العربي بأن سياسات أبوظبي في العقد الأخير قامت على تغذية الثورات المضادة، وتمويل الانقلابات، وتطبيع غير مشروط مع الاحتلال، وفتح البلاد أمام تحالفات أمنية واقتصادية متشابكة مع القوى الغربية والإقليمية.

 

من هذه الزاوية، لا يبدو الصراع بين محمد بن زايد وطحنون، كما يقدمه المهداوي، فرصة لولادة مشروع عربي ديمقراطي أو تحرري، بل مجرد إعادة توزيع للأدوار داخل شبكة واحدة؛ شبكة يعتبرها خصومها امتدادًا لنهج «الاحتلال الاقتصادي والسياسي» للمنطقة لمصلحة تحالفات خارجية.

وإذا كان محمد بن زايد، وفق هذه القراءة، يحاول «إعادة تدوير المشهد» عبر توريث الحكم لابنه خالد، فإن هذا لا يبدّد مخاوف من يعتبرون أن كل ما يحدث هو محاولة لتجديد وجه المشروع نفسه، لا مراجعته أو تفكيكه.

 

مع ذلك، يبقى البعد الأهم في تحليل المهداوي هو ربطه بين هشاشة التحالف الإماراتي–السعودي وبين تسارع الخطوات داخل قصر أبوظبي. فحين يشعر الحاكم بأن حليفه الأكبر بات ينظر إلى أخيه كبديل محتمل، فإن كل أدوات الدولة تُستدعى إلى ساحة الصراع: من الصناديق السيادية، إلى شبكات التجسس، إلى الحملات الإعلامية.

وهنا، يتحول سؤال المستقبل في الإمارات والمنطقة إلى سؤال بسيط في ظاهره، معقد في جوهره: هل نحن أمام لحظة بداية نهاية مرحلة، أم مجرد جولة جديدة في صراع داخلي طويل، يدفع ثمنه في النهاية شعوب لا تملك من أمر هذه القرارات شيئًا؟