تصرّ وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي المصرية على نفي ما يتردد عن انتشار مبيدات «غير صالحة أو خطرة» في الخضر والفاكهة، مؤكدة أن كل المبيدات المسجلة تمر بمراحل اختبار ورقابة من التسجيل وحتى ما بعد الحصاد، وأن المشكلة الحقيقية في الاستخدام العشوائي للمبيدات غير القانونية خارج المنظومة الرسمية.

 

لكن خلف هذه التطمينات الرسمية، تكشف الدراسات العلمية وشهادات خبراء سلامة الغذاء والزراعة عن صورة أكثر تعقيدًا؛ بقايا مبيدات في نسبة معتبرة من العينات، شحنات تُرفض في أوروبا بسبب مواد محظورة، وسوق محلي يعاني من فوضى في تداول ورشّ المبيدات.

 

هذا التباين بين الخطاب الرسمي والنتائج العلمية يفتح باب السؤال الأهم: هل الفواكه والخضر في مصر «آمنة تمامًا» كما تقول الحكومة، أم أن هناك «سمًّا صامتًا» يحتاج إلى رقابة أعمق وشفافية أكبر؟

 

رواية الوزارة: معامل معتمدة وبرامج رصد.. لكن المشكلة في الاستخدام العشوائي

 

يؤكد المركز الإعلامي للحكومة أن ما يُشاع عن أن الخضر والفاكهة «مغموسة في المبيدات» غير دقيق، مشيرًا إلى أن المبيدات المسموح بتداولها خضعت لاختبارات وفق معايير منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) ومنظمة الصحة العالمية، وأن منظومة التسجيل والرقابة تشمل مراحل الزراعة والحصاد وما بعد الحصاد، مع سحب آلاف العينات من الأسواق المحلية للتأكد من التزامها بالحدود القصوى لمتبقيات المبيدات (MRLs).

 

في هذا الإطار، يلعب المعمل المركزي لتحليل متبقيات المبيدات والعناصر الثقيلة في الأغذية دورًا محوريًا؛ فبحسب تقرير رسمي، استقبل المعمل في عام 2025 نحو 395 ألف عينة من السلع الغذائية للصادرات والواردات والأسواق المحلية، ضمنها أكثر من 21 ألف عينة لبرنامج «الرصد الوطني» لمتبقيات المبيدات.

 

وتوضح مديرته، الدكتورة هند عبداللاه، أن المعمل يجدد بانتظام اعتماداته الدولية (مثل EGAC وA2LA) طبقًا للمواصفة ISO 17025، ويخضع لزيارات تقييم من جهات أوروبية، بما فيها بعثات من الاتحاد الأوروبي لمراجعة منظومة الرقابة على الصادرات المصرية. هذا يعني أن جزءًا مهمًا من السلسلة الرقابية يعمل فعليًا بمعايير معترف بها دوليًا، وأن صورة «الغياب الكامل للرقابة» ليست دقيقة.

 

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا تقول البيانات العلمية عن مستوى المتبقيات في الأساس، داخل الأسواق المحلية وليس فقط في الصادرات؟

 

دراسات علمية: غالبية العينات في الحدود.. لكن نسبة غير قليلة تتجاوز المسموح

 

دراسات متخصصة على السوق المصري أظهرت أن وجود بقايا مبيدات في الخضر والفاكهة «هو القاعدة لا الاستثناء»، لكن الأهم هو: هل هذه البقايا ضمن الحدود القانونية والجرعة اليومية المقبولة (ADI) أم تتجاوزها؟

 

في دراسة منشورة عام 2019 عن الخضر والفاكهة المباعة في أسواق القاهرة، شارك فيها الباحث المصري صبحي حامد، تم تحليل عشرات العينات من التفاح والعنب والجوافة والطماطم والخيار وغيرها؛ وخلصت الدراسة إلى رصد عشرات المواد الفعالة من مبيدات مختلفة، مع وجود نسبة من العينات تجاوزت الحدود القصوى لمتبقيات المبيدات (MRLs)، لكن التقدير الكلي للتعرُّض الغذائي اليومي بقي أقل من «الجرعة اليومية المقبولة» وفق معايير FAO/WHO، أي أن الخطر الفوري على المستهلك العادي لا يُعد مرتفعًا في المتوسط.

 

هذا النمط – وجود بقايا مبيدات في معظم العينات مع تجاوز قانوني في نسبة منها – يتكرر في دراسات أحدث؛ إذ كشفت دراسة في شرق الدلتا (استشهدت بها تحقيقات صحفية دولية) عن تلوّث 88.37% من عينات الخضر بمتبقيات لـ25 مادة كيميائية، وتجاوز 31.4% من العينات للحد الأقصى المسموح، مع وجود أكثر من مبيد واحد في ثلثي العينات تقريبًا.

 

الأخطر أن تقريرًا سابقًا لبرنامج التقصي بالمعمل المركزي نفسه أظهر أن 17% من عينات الخضر والفاكهة المتداولة في الأسواق المحلية تجاوزت الحدود القصوى لمتبقيات المبيدات. الخبير الدولي في سلامة الغذاء حسين منصور وصف هذه النسبة آنذاك بأنها «كارثة»، لأنها تعني أن حوالي خُمس ما يباع من خضر وفاكهة للمصريين يحمل متبقيات مبيدات فوق المستوى المسموح.

 

من الناحية العلمية، تفرّق مؤسسات مثل Codex وFAO/WHO بين «الحد الأقصى لمتبقيات المبيد» (MRL) المرتبط بالممارسات الزراعية السليمة، و«الجرعة اليومية المقبولة» (ADI) التي تعبر عن كمية المادة الكيميائية يمكن تناولها طوال العمر دون خطر ملحوظ على الصحة.

 

تجاوز الـMRL لا يعني تلقائيًا تسممًا حادًا، لكنه مؤشر قوي على سوء استخدام المبيد (جرعات أعلى، توقيت رشّ خاطئ، عدم احترام فترات الأمان)، ومع تكراره يتحول إلى خطر تراكمي على الصحة العامة، خصوصًا مع تعدد المبيدات في نفس الطبق.

 

ثغرات منظومة الرقابة: من مبيدات محظورة إلى خلط المحاصيل وتراخي التنفيذ

 

الشق الأكثر خطورة يظهر عندما نخرج من «الورق» إلى الواقع الميداني. تحقيق استقصائي نشرته شبكة إعلامية مستقلة عام 2025، تتبع مسار المادة السامة «كلوربيريفوس» – المصنّفة كمبيد عصبي خطير – بعد حظرها في أوروبا ومصر على المحاصيل الغذائية، ليكشف استمرار تداولها في السوق المصري واستخدامها على بعض مزارع الموالح، ورفض 103 حاوية من الصادرات المصرية إلى الاتحاد الأوروبي بين 2022 و2025 بسبب وجود آثار لهذه المادة بالمخالفة للمعايير الأوروبية.

 

في التحقيق نفسه، حذّر أستاذ الهندسة الوراثية سعيد خليل من ثغرة خطيرة في «نظام التكويد» الذي يفترض أنه يضمن تتبُّع المحاصيل المخصصة للتصدير؛ إذ أوضح أن محاصيل مزارع غير مُكوَّدة تُخلط أحيانًا بمحاصيل مزارع ملتزمة داخل محطات الفرز، للاستفادة من السعر الأعلى، ما يفرغ جزءًا من فكرة التتبع من مضمونها، ويفتح الباب لعبور محاصيل رُشّت بمبيدات غير مطابقة إلى سلاسل التصدير أو السوق المحلي.

 

هذا التناقض بين كثافة المعايير على الورق وبين الفوضى على الأرض، يتكرر أيضًا في تصريحات خبراء سلامة الغذاء. فبينما تؤكد الهيئة القومية لسلامة الغذاء تشديد الرقابة على المصانع والمنتجات، ظهرت حالات شهيرة – مثل أزمة سحب منتجات «الإندومي» من الأسواق بسبب أفلاتوكسينات ومتبقيات مبيدات متجاوزة للحدود الآمنة – لتذكّر بأن ثغرات التطبيق قادرة على تمرير منتجات غير مطابقة حتى داخل سلاسل إنتاج صناعية يفترض أنها أكثر ضبطًا من المزارع الصغيرة.

 

كل ذلك يقود إلى خلاصة حادة:

 

القول بأن «الخضر والفاكهة في مصر آمنة تمامًا ولا مشكلات في متبقيات المبيدات» تبسيط مخلّ، مثلما أن تعميم مقولة «كل المنتجات مسمّمة» مبالغة غير منصفة. المعطيات المتاحة تقول إن: المنظومة الرسمية للاختبارات والمعامل موجودة، ومعتمدة دوليًا، وتعمل على مستوى الصادرات وبعض الأسواق المحلية.

 

في المقابل، هناك نسبة غير قليلة من العينات تتجاوز الحدود القانونية، ومبيدات محظورة تستمر في التداول، وفوضى في سوق المبيدات والرشّ، وثغرات في تنفيذ نظم التتبع والرقابة.

 

ما يحتاجه المواطن ليس تطمينات عامة، بل: نشر دوري وشفاف لنتائج «الرصد الوطني» في الأسواق المحلية، تسمية المناطق والمحاصيل الأكثر خطورة، تشديد العقوبات على المبيدات غير المسجلة ومن يتاجر بها، وتوسيع الإرشاد الزراعي للمزارعين حول الجرعات وفترات الأمان. بدون ذلك، سيبقى الحديث الرسمي عن «سلامة الخضر والفاكهة» نصف حقيقة، والنصف الآخر يظل مختبئًا في صحن السلطة على موائد المصريين.