تحوّل التقارب بين إسرائيل و«أرض الصومال» من مناورة دبلوماسية هامشية إلى ملف استراتيجي ثقيل يقرع أجراس الإنذار في مقديشو والقاهرة معًا.
فبينما يحذّر الدكتور عبدالرحمن باديو، مستشار الرئيس الصومالي لشؤون المصالحة، من أن أي تعاون عسكري أو استخباري مباشر بين تل أبيب وهرجيسا سيفتح على الصومال «معضلة حقيقية تتجاوز الردود الدبلوماسية التقليدية»، ترى مصر أن الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» – أو حتى التمهيد له – خطوة لا يمكن السكوت عنها، وتمسّ جوهر أمنها القومي في البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
فبعد إعلان إسرائيل رسميًا اعترافها بـ«أرض الصومال» في ديسمبر/كانون الأول 2025، لتكون أول دولة عضو في الأمم المتحدة تقدم على هذه الخطوة، تصاعدت التحذيرات من أن الأمر لا يتعلق بمجرد قرار رمزي، بل بمحاولة لبناء موطئ قدم عسكري–استخباري جديد على واحد من أخطر الممرات البحرية في العالم، من باب المندب إلى قناة السويس.
تقارب يربك الصومال ويُفخِّخ القرن الإفريقي
يؤكد الدكتور باديو أن الخطر الحقيقي يبدأ لحظة تحوّل التقارب السياسي بين إسرائيل و«أرض الصومال» إلى ترتيبات عسكرية أو أمنية على السواحل الشمالية للصومال، معتبرًا أن وجود قواعد مراقبة أو تعاون استخباري في تلك المنطقة سيكون «استفزازًا مباشرًا لمقديشو» وقد يشعل توترات إقليمية غير مسبوقة في منطقة مكتظة أصلًا بقوى تتزاحم على النفوذ في البحر الأحمر وخليج عدن.
هذا المسار لا يهدّد فقط وحدة الأراضي الصومالية، بل يفتح الباب أمام دول أخرى لـ«تطبيع التعامل» مع هرجيسا ككيان شبه مستقل؛ فكل زيارة رسمية، وكل مكتب تمثيل، وكل اتفاق ثنائي يمكن أن يُستغل لاحقًا كسابقة لخلق واقع سياسي جديد يفرض نفسه على المجتمع الدولي، حتى لو تأخر الاعتراف الكامل.
داخليًا، يحذّر مستشار الرئيس الصومالي من أن هذا المسار قد يعمّق الفجوة بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء، ويمنح أطرافًا إقليمية ومحلية نافذة ذريعة لاستغلال الأزمة لتقوية مواقعها على حساب الدولة المركزية، بما يضع النظام الفيدرالي أمام اختبار وجودي جديد ويعيد البلاد إلى أجواء الاستقطاب وعدم الاستقرار التي حاولت تجاوزها لسنوات.
البحر الأحمر وخليج عدن.. لماذا ترى مصر أن النار تقترب من ممرّها الحيوي؟
من منظور القاهرة، لا يمكن فصل اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» أو مساعيها نحو ذلك عن مشروع أوسع لتطويق مصر استراتيجيًا عبر البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وزير الخارجية المصري وصف الخطوة الإسرائيلية بأنها «انتهاك فاضح» لوحدة الصومال واستقراره، و«سابقة خطيرة» تهدد السلم في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، داعيًا إلى عدم الصمت أمام هذا المسار.
مصر ترى في خليج عدن والبحر الأحمر امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، لأن أمن الملاحة من باب المندب إلى قناة السويس ليس مجرد ملف تجاري أو اقتصادي، بل شريان حياة استراتيجي يمرّ عبره الجزء الأكبر من حركة التجارة والطاقة العالمية.
أي تموضع عسكري–استخباري إسرائيلي جديد في هذه المنطقة الحساسة – تحت لافتة «حماية الملاحة» من تهديدات الحوثيين مثلًا – يعني أن تل أبيب تقترب خطوة إضافية من الممرات الحيوية المرتبطة مباشرة بالأمن المصري.
تحليل باديو يربط التوقيت مباشرة بتداعيات حرب غزة وتصاعد نفوذ الحوثيين في البحر الأحمر؛ فإسرائيل، المأزومة دبلوماسيًا وأخلاقيًا بعد حرب الإبادة على القطاع، تبحث عن ساحات جديدة لتبييض صورتها وتوسيع نفوذها الأمني، وتجد في «أرض الصومال» فرصة ذهبية: كيان يسعى للاعتراف، وساحل استراتيجي على خليج عدن، ووضع صومالي داخلي هش يسمح بتجريب ترتيبات خطرة تحت شعار «التعاون الأمني».
إثيوبيا والرهان على هرجيسا.. تطويق مزدوج للصومال ومصر
لا يتوقف المشهد عند خطّ مقديشو–تل أبيب، بل تشكّل أديس أبابا ضلعًا ثالثًا شديد الأهمية. فإثيوبيا وقّعت في يناير 2024 مذكرة تفاهم مع «أرض الصومال» تمنحها منفذًا بحريًا على خليج عدن عبر ميناء بربرة مقابل وعود سياسية بدعم مسار الاعتراف الدولي بالإقليم، قبل أن يتعرّض الاتفاق لضغوط إقليمية ويُعاد ضبطه لاحقًا في إطار «إعلان أنقرة» بين أديس أبابا ومقديشو.
اليوم، ومع دخول إسرائيل على خط الأزمة، تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا؛ فبحسب تحليل باديو، ترى إثيوبيا أن أي انفتاح دولي على هرجيسا – خصوصًا من قِبل قوة ذات ثقل أمني مثل إسرائيل – يسهّل عليها التعامل مع «أرض الصومال» ككيان منفصل، سواء في مشاريع الموانئ أو الأمن البحري أو التعاون الاقتصادي، ويضعف في المقابل موقف الحكومة الفيدرالية الصومالية.
في الوقت نفسه، تنظر القاهرة بقلق إلى هذا التشابك بين أطماع إثيوبية في منفذ بحري، وتموضع إسرائيلي جديد في القرن الإفريقي، وبيئة عربية–إسلامية ممزّقة بالحروب والصراعات الأهلية.
فبحسب رؤية مستشار الرئيس الصومالي، تتحرّك إسرائيل وفق عقيدة «بن غوريون» القديمة: اختراق دول الأطراف في المنظومة العربية، واستغلال هشاشة الدول المنهكة والمؤسسات الضعيفة لبناء شبكة نفوذ تمتد على طول الساحل الشرقي لأفريقيا، من القرن الإفريقي إلى مدخل البحر الأحمر، بما يقلّص قدرة الدول العربية الكبرى – وفي مقدمتها مصر – على التكتل أو حماية مجالها الحيوي.
في هذه المعادلة، لا يعود الأمر مجرّد خلاف قانوني حول وضع «أرض الصومال»، بل يتحوّل إلى ملف جيوسياسي شامل يمسّ صميم الأمن القومي الصومالي والمصري والعربي، ويربط بين أمن الملاحة الدولية، وحرب غزة، وتصاعد نفوذ الحوثيين، وتنافس القوى الكبرى على ممرات التجارة والطاقة.
وهنا تحديدًا يصبح الصمت نوعًا من المشاركة غير المباشرة في صناعة واقع جديد على شواطئ القرن الإفريقي، واقع قد يكون ثمن تصحيحه – إن أمكن تصحيحه أصلًا – أعلى بكثير مما يتصوّره البعض اليوم.

