في الوقت الذي تسوّق فيه سلطة قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي خطاب “الإصلاح الحقوقي” و”الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان”، ترصد منظمات مصرية ودولية تصعيدًا مرعبًا داخل عدد من السجون، على رأسها سجن بدر 3 شرق القاهرة وسجن الوادي الجديد في قلب الصحراء الغربية.
هذه الشهادات لا تتحدث عن “تجاوزات فردية” أو “أخطاء إدارية”؛ بل عن منظومة عقاب جماعي وإهمال طبي متعمَّد، وظروف احتجاز قد ترقى ـ وفق وصف المنظمات الحقوقية ـ إلى مستوى المعاملة القاسية واللاإنسانية، التي تفضي إلى الموت البطيء في الزنازين. ثمانية سجناء سياسيين يُتوفَّون في بدر 3 خلال ثمانية أشهر، ورسائل استغاثة من “سجن الموت” في الوادي الجديد تتحدث عن برد قارس وتجويع وحرمان من العلاج… بينما تلتزم الدولة صمتًا ثقيلًا، وكأن ما يجري وراء الأسوار خارج نطاق المسؤولية والقانون.
سجن بدر 3.. ثمانية قتلى في ثمانية أشهر وسجن يُدار كمعسكر تحطيم بطيء
بحسب بيان موثق لمنظمة “هيومن رايتس إيجيبت”، يعيش سجن بدر 3 منذ شهور على وقع توتر متصاعد، نتيجة ظروف احتجاز وصفتها المنظمة ومصادر من داخل السجن بأنها “بالغة القسوة”، أفضت إلى وفاة ثمانية سجناء سياسيين خلال ثمانية أشهر فقط. هذا الرقم وحده يكفي لدق ناقوس الخطر؛ فنحن لا نتحدث عن وفيات فردية متفرقة، بل عن نمط متكرر يشي بسياسة لا مجرد مصادفة.
المعلومات الواردة تشير إلى انتشار أمراض خطيرة بين المعتقلين، مثل السرطان، والالتهاب الكبدي، وأمراض الكلى، إلى جانب اضطرابات نفسية حادة ناجمة عن العزل والحرمان، في بيئة تفتقر حتى إلى الحد الأدنى من الرعاية الطبية. فالعيادة الطبية شبه غائبة، والأطباء المتخصصون غير موجودين، والصيدلية خالية من الأدوية الأساسية لمرضى الأمراض المزمنة، فيما يُسمح بالتوجه للعيادة مرة واحدة في الشهر، حتى للحالات التي تستدعي تدخّلًا عاجلًا.
حالتا وفاة بارزتان تكشفان حجم الكارثة
الدكتور عطا يوسف عبداللطيف (70 عامًا)، أستاذ الفيزياء بكلية العلوم جامعة أسيوط، تُركت حالته تتدهور داخل السجن، ليُنقل متأخرًا إلى مستشفى قصر العيني حيث اكتُشف ورم في مرحلة متقدمة، ليلفظ أنفاسه بعد رحلة إهمال لا رحلة علاج.
قبله توفي علاء العزب، بعد اكتشاف إصابته بورم مماثل في مرحلة متأخرة داخل بدر 3، في تكرار فاضح لنفس الإهمال والتشخيص المتأخر.
إلى جانب ذلك، يُحرم السجناء من الزيارات بالمخالفة للائحة مصلحة السجون، وإن سُمح لبعضهم فبزيارات عبر كبائن زجاجية، مع مراقبة الحديث هاتفيًا وانتهاك كامل للخصوصية والروابط الأسرية. التريض والتعرض للشمس يكادا يختفيان، والطلاب يُمنعون من أداء الامتحانات أو استكمال تعليمهم، في محاولة لتحطيم ما تبقّى من حياتهم ومستقبلهم خارج القضبان.
احتجاج ميت في دولة لا تسمع.. إضراب عن الطعام وكاميرات مغطاة ولا استجابة
أمام هذا الجحيم اليومي، لم يجد المعتقلون في بدر 3 سوى الاحتجاج السلمي. توثّق “هيومن رايتس إيجيبت” دخولهم في إضراب مفتوح عن الطعام منذ أكثر من 21 يومًا، وتغطية كاميرات المراقبة داخل الزنازين تعبيرًا عن الرفض لسياسة الإذلال والمراقبة الدائمة.
ورغم خطورة الإضراب وما يمثله من تهديد مباشر لحياة المضربين، لم تُبدِ إدارة السجن ـ ممثلة في المأمور العقيد أحمد الخولي، ورئيس المباحث العقيد محمد حسن سوار، وتحت توجيه ضابط الأمن الوطني وليد الدهشان ـ أي استجابة تُذكر. لا مراجعة للسياسات، لا فتح كامل للزيارات، لا تحسين للرعاية الصحية، لا تحقيق مستقل في الوفيات؛ فقط استمرار لنهج متواصل منذ أكثر من 13 عامًا، استخدمت فيه الإضرابات السابقة كسور يُرتطم به المعتقلون ثم يعودون إلى الزنازين نفسها.
التغييرات الإدارية الأخيرة داخل السجن لم تكن إصلاحًا بل تشديدًا: تقليص لفترات التريض، تضييق على الزيارات، ومنع إدخال الطعام والرسائل، خصوصًا في القطاع الثاني الذي يضم عددًا من قيادات جماعة الإخوان المسلمين. هكذا يتحول السجن من مكان احتجاز إلى أداة سحق ممنهج، يدفع السجين ثمن آرائه حتى آخر نفس وآخر خيط من صحته الجسدية والنفسية.
سجن الوادي الجديد.. برد وجوع وغياب علاج في “سجن الموت” المعزول في الصحراء
إذا كان بدر 3 يُمثّل نموذج السجن الحديث عالي التقنية الذي يُستخدم للتعذيب النفسي والعزل الكامل، فإن سجن الوادي الجديد ـ المعروف لدى الحقوقيين والمعتقلين بـ“سجن الموت” ـ يقدم الوجه الآخر للعقاب: سجن منسي في قلب الصحراء، يُترك فيه السجناء فريسة للبرد والجوع والمرض.
“الشبكة المصرية لحقوق الإنسان” نشرت رسالة مسرّبة من داخل السجن، يتحدث فيها المعتقلون عن خطر الموت بسبب البرد القارس والجوع، في زنازين غير مجهزة تسمح بدخول الهواء البارد مباشرة دون أي وسائل حماية. الأغطية والملابس الشتوية ممنوعة أو محدودة، وكأن المطلوب أن يختبر السجين “عقوبة إضافية” مع كل موجة برد.
سياسة التجويع ليست أقل قسوة؛ فالطعام المقدم لا يلبي الحد الأدنى من الاحتياجات الغذائية، بينما تُفرض قيود صارمة على إدخال الأطعمة خلال الزيارات، التي هي نفسها ليست مضمونة أو منتظمة. التفتيش المتكرر وتجريد المعتقلين من متعلقاتهم الشخصية يزيدان الإذلال، فيما تغيب الرعاية الطبية تمامًا: مستشفى السجن يفتقر لأبسط معايير السلامة، والإدارة تتعنت في نقل المرضى إلى مستشفيات خارجية بحجة “بُعد المسافة”، وكأن حياة السجين ثمن بسيط يمكن التضحية به لتوفير رحلة سيارة إسعاف.
في بيان منفصل، يؤكد مركز الشهاب لحقوق الإنسان أن الأوضاع في سجن الوادي الجديد ترقى لمستوى المعاملة القاسية واللاإنسانية المحظورة دستوريًا ودوليًا، محمّلًا سلطات السيسي المسؤولية الكاملة عن أي وفيات أو تدهور صحي، ومطالبًا بتحقيق مستقل وشفاف، وتمكين المعتقلين من الأغطية والملابس والعلاج، ووقف سياسات العقاب الجماعي.
لكن بين بيانات المنظمات وصمت الدولة، يبقى السجناء في بدر والوادي الجديد عالقين في منطقة معتمة: لا محاكمات عادلة تُنهي معاناتهم، ولا رقابة مستقلة تدخل الزنازين لتقول للعالم ما يحدث، ولا سلطة تعترف بأن ما يُرتكب خلف الأسوار ليس “انفلاتًا”، بل سياسة متعمدة تُحوِّل الحبس من عقوبة قانونية محددة إلى حكم بالإعدام البطيء دون حاجة إلى حبل المشنقة.

