تشهد الأسواق المصرية موجة جديدة من ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن، في ظل تداعيات الحرب الإقليمية التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، والتي انعكست سريعًا على الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد الغذائي. وقد وجد المواطن المصري نفسه أمام واقع اقتصادي أكثر صعوبة، حيث تتصاعد أسعار السلع الأساسية بينما تتآكل القدرة الشرائية للأسر، خاصة في ظل معدلات التضخم المرتفعة.
وبينما كانت اللحوم والدواجن تمثل مصدر البروتين الأساسي لملايين الأسر، باتت اليوم عبئًا ثقيلًا على ميزانية الأسرة، الأمر الذي دفع كثيرين إلى تقليل استهلاكها أو الاستغناء عنها تمامًا. وتشير تقارير اقتصادية إلى أن الأسواق شهدت زيادة في أسعار اللحوم والدواجن بنسبة تقارب 15% خلال الفترة الأخيرة نتيجة عوامل اقتصادية متعددة.
وتأتي هذه الزيادة في وقت حساس، حيث يعاني المواطنون بالفعل من ارتفاع تكاليف المعيشة في مختلف القطاعات، من الغذاء إلى الطاقة والمواصلات.
نماذج لارتفاع أسعار اللحوم والدواجن في المحافظات
في جولة داخل عدد من الأسواق المصرية، يظهر بوضوح حجم الارتفاع في أسعار البروتين الحيواني.
في القاهرة والجيزة، سجل سعر كيلو اللحم البتلو نحو 440 جنيهًا، بينما وصل سعر لحم الضأن إلى حوالي 450 جنيهًا للكيلو.
أما الدواجن فقد وصل سعر كيلو الدواجن البيضاء إلى نحو 120 جنيهًا، بينما سجلت الدواجن الحمراء نحو 130 جنيهًا للكيلو بينما وصلت أسعار بعض القطعيات مثل صدور الدجاج (البانية) إلى ما بين 260 و270 جنيهًا للكيلو بحسب المنطقة.
وفي محافظات الدلتا مثل المنوفية والغربية، يشكو المواطنون من تفاوت الأسعار بين الأسواق الشعبية والسلاسل التجارية، حيث ترتفع الأسعار أحيانًا بسبب تكاليف النقل أو قلة المعروض.
وفي صعيد مصر، تشير تقارير محلية إلى أن أسعار الدواجن ارتفعت أيضًا لتصل إلى متوسط 117 جنيهًا للكيلو، مع زيادة ملحوظة في أسعار الأسماك وبعض البدائل الغذائية الأخرى.
هذه الزيادات جعلت اللحوم والدواجن سلعة شبه رفاهية لدى كثير من الأسر محدودة الدخل.
أسباب ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن
يربط خبراء الاقتصاد بين موجة ارتفاع الأسعار الحالية وبين عدة عوامل متداخلة، أبرزها الحرب الإقليمية التي أثرت على التجارة العالمية والطاقة وسلاسل الإمداد.
تداعيات الحرب على التجارة والنقل
أدت الحرب الأخيرة إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الغذاء والسلع الزراعية. وتشير تحليلات اقتصادية إلى أن الصراع في الشرق الأوسط تسبب في اضطرابات كبيرة في التجارة الزراعية والطاقة، ما يرفع تكاليف الإنتاج والشحن عالميًا.
كما أن تعطّل بعض طرق الشحن أو ارتفاع تكاليف التأمين على السفن في مناطق التوتر يزيد من كلفة استيراد الأعلاف واللحوم المجمدة.
ارتفاع أسعار الأعلاف
يمثل العلف العنصر الأكبر في تكلفة إنتاج الدواجن واللحوم. ويقول خبراء في قطاع الدواجن إن ارتفاع أسعار الذرة وفول الصويا – وهما المكونان الرئيسيان للأعلاف – أدى إلى زيادة كبيرة في تكلفة الإنتاج.
وقد عانى قطاع الدواجن في مصر سابقًا من صدمات مشابهة، حيث كادت 40% من المزارع أن تتوقف عن العمل بسبب ارتفاع التكاليف وضعف العائد الاقتصادي.
تقلب سعر الدولار
يؤكد اقتصاديون أن تقلب سعر الدولار يلعب دورًا مباشرًا في ارتفاع الأسعار، لأن معظم مدخلات الإنتاج الزراعي والحيواني يتم استيرادها من الخارج. وقد أشار خبراء إلى أن بعض التجار رفعوا الأسعار بمجرد تداول أنباء عن ارتفاع الدولار تحسبًا لخسائر محتملة.
ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل
كما أسهمت زيادة أسعار الوقود والنقل في رفع تكاليف توزيع المنتجات الغذائية، وهو ما ينعكس في النهاية على السعر الذي يدفعه المستهلك.
تداعيات الأزمة على المواطنين
لا تتوقف آثار ارتفاع الأسعار عند الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي والمعيشي.
فبالنسبة لكثير من الأسر المصرية، أصبحت اللحوم الحمراء خارج حسابات الميزانية الشهرية، بينما يجري تقليص استهلاك الدواجن أيضًا. ويقول مواطنون إنهم اضطروا إلى استبدال اللحوم بالبقوليات أو الاعتماد على مصادر بروتين أقل تكلفة.
كما بدأت تظهر ظاهرة تقليل كميات الطعام أو تغيير نمط الغذاء، وهو ما قد ينعكس على الحالة الصحية والتغذوية لبعض الفئات، خصوصًا الأطفال.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن بات يهدد حتى موائد الإفطار لدى كثير من الأسر خلال شهر رمضان.
وفي ظل هذا الواقع، يزداد الشعور بالقلق لدى المواطنين من استمرار موجة الغلاء دون حلول جذرية.
تقاعس الحكومة أم محدودية الأدوات؟
تدّعي حكومة السيسي أن لديها خططًا لمواجهة ارتفاع الأسعار وضمان توفير السلع الأساسية، كما تزعم أن المخزون الاستراتيجي من الغذاء آمن ويكفي لعدة أشهر.
وتصر الحكومة على خداع المواطنين بضبط الأسعار وإصدارها توجيهات رسمية بملاحقة المتلاعبين بالأسعار، وحتى دراسة إحالتهم إلى القضاء العسكري في بعض الحالات.
لكن منتقدين يرون أن هذه الإجراءات لا تعالج جذور الأزمة، التي تتعلق أساسًا بارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد وتراجع القدرة الشرائية.
ويطالب خبراء الاقتصاد بزيادة الإنتاج المحلي من الأعلاف واللحوم، وتقديم دعم مباشر لمزارع الدواجن الصغيرة والمتوسطة، إضافة إلى توسيع برامج الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر تضررًا.
مستقبل موائد المصريين
في ظل استمرار التوترات الإقليمية والاضطرابات الاقتصادية العالمية، يبدو أن موجة ارتفاع أسعار الغذاء قد لا تتوقف قريبًا. وبينما تحاول الحكومة احتواء الأزمة عبر إجراءات رقابية واستيراد السلع، يبقى المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة.
فمع كل زيادة جديدة في الأسعار، تتقلص خيارات الأسر محدودة الدخل، ويصبح توفير وجبة متكاملة على المائدة تحديًا يوميًا.
وإذا استمرت هذه الاتجاهات دون حلول اقتصادية شاملة، فإن اللحوم والدواجن – التي كانت يومًا جزءًا أساسيًا من غذاء المصريين – قد تتحول إلى سلعة نادرة على موائد الكثيرين.

