مرة أخرى، يظهر وزير الإسكان شريف الشربيني أمام الرأي العام كمسؤول يتحدث بلغة «الإنجازات»، بينما تكشف الأرقام التي تصدر عن وزارته نفسها حقيقة مختلفة تمامًا.

 

فبينما يتفاخر الوزير بصرف تعويضات لملاك أراضي مشروع علم الروم القطري تمهيدًا لتنفيذه، يؤكد مصدر من داخل وزارته أن ما تم صرفه فعليًا لا يتجاوز 30% من إجمالي من يستحقون التعويض، في مشهد يجسد الفجوة المزمنة بين خطاب السلطة وواقع الناس، وبين أولوية المستثمر الأجنبي وأصحاب الأرض المصريين.

 

الحكومة باعت واحدة من أهم مناطق الساحل الشمالي لشركة الديار القطرية في صفقة استثمارية ضخمة، تقترب قيمتها من 29.7 مليار دولار، مقابل 3.5 مليار دولار تحصل عليها الدولة قبل نهاية العام الماضي، إلى جانب حصة من الأرباح ومساحات بنائية.

 

لكن خلف هذه الأرقام البراقة يقف آلاف من أهالي قرية سملا وعلم الروم، يواجهون التهجير تحت مسمى «التنمية»، وتعويضات هزيلة لا تليق لا بأرضهم ولا بكرامتهم.

 

من وعود بثلاثين ألفًا إلى خمسة آلاف: لعبة الأرقام على حساب الفقراء

 

التفاصيل التي خرجت للعلن تكشف أن الوزارة لم تكتفِ بتعطيل صرف التعويضات، بل لعبت أيضًا بالأرقام التي طرحت على الأهالي.

 

فبحسب ما نُقل عن تقرير سابق، عرضت الحكومة في البداية تعويضًا بواقع عشرة آلاف جنيه لمتر المباني، وهو رقم رأى الأهالي أنه لا يعكس القيمة الحقيقية لمنازلهم وأراضيهم، فطالبوا برفعه إلى 30 ألف جنيه للمتر الواحد.

 

لكن الصدمة جاءت عندما بدأ التنفيذ على الأرض، حيث اكتشف أحد الأهالي ممن وافقوا على قياس مساحة منزله استعدادًا للتعويض، أن السعر المعتمد فعليًا هو خمسة آلاف جنيه فقط للمتر، أي نصف الرقم الأول، وسدس ما طالبوا به.

 

ليس هذا مجرد خلاف مالي؛ بل نموذج فجّ للتضليل، إذ تُستخدم الوعود الكبيرة لتمرير المشروع وتهدئة الغضب، ثم يُفرض الواقع بالأمر الواقع بعدها.

 

في هذه الحالة يصبح السؤال مشروعًا: هل أخطأ الوزير في عرض الأرقام؟ أم أن ما قُدِّم للأهالي كان مجرد «كلام تهدئة» بينما القرار الحقيقي في الأدراج، بعيدًا عن الشفافية والالتزام؟

 

في كلتا الحالتين، النتيجة واحدة: وزير الإسكان يضلل المواطنين، ويتركهم يكتشفون الحقيقة على باب خزينة التعويضات.

 

30% فقط حصلوا على التعويض: بأي حق يتحدث الشربيني عن «تقدم»؟

 

خلال اجتماع مع رئيس مجلس الوزراء، حاول شريف الشربيني تقديم صورة وردية عن موقف التعويضات، بالحديث عن صرف تعويضات لمساحة 130.5 فدان في المنطقة الأولى، و790 فدانًا في الثانية، و122 فدانًا في الثالثة.

 

الأرقام تبدو كبيرة لمن لا يعرف الصورة الكاملة، لكنها تتحول إلى فضيحة حين يوضح مصدر مطلع في الوزارة أن إجمالي المساحة المستحقة للتعويض يصل إلى 3400 فدان.

 

ما يعني أن ما تم الانتهاء منه فعليًا لا يتجاوز 1042 فدانًا، أي نحو 30% فقط من المستحقين.

 

ورغم ذلك، يخرج الوزير ليتحدث عن أن العمل يجري «على قدمٍ وساق»، وأن تعويضات الأهالي تمضي قُدمًا تمهيدًا للتنفيذ، وكأن المشكلة حُلّت بالفعل، بينما ثلثا أصحاب الحق ما زالوا ينتظرون.

 

الأخطر أن المصدر يكشف أن الوزارة تستهدف الانتهاء من صرف التعويضات خلال الربع الأول من العام الجاري «تبعًا»، أي بالتقسيط الزمني، بينما المشروع نفسه يتم الترتيب له على عجل لخدمة مستثمر أجنبي حصل على ضمانات واضحة، ومواعيد محددة، وصفقة أُعلنت أرقامها التفصيلية أمام الكاميرات.

 

المواطن لا يحصل لا على وضوح ولا على التزام زمني حقيقي، بل على وعود متكررة وتصريحات مطمئنة لا تسندها أفعال.

 

الدولة تملك أقل من ثلث الأرض.. والمواطن يدفع الثمن

 

بحسب المصدر في وزارة الإسكان، تمتلك الدولة أكثر من 1500 فدان من إجمالي أرض المشروع البالغة 4900 فدان في علم الروم.

 

ورغم ذلك، اختارت الحكومة أن تبني مشروعًا استثماريًا ضخمًا بالشراكة مع شركة قطرية، وأن تهجّر الأهالي من أراضيهم، وأن تدخل معهم في معركة تعويضات قاسية، بدلًا من بناء نموذج تنموي عادل يشارك فيه أهل المنطقة، ويضمن لهم نصيبًا حقيقيًا من ثروات أرضهم.

 

صفقة الديار القطرية تأتي كثاني أكبر صفقة أجنبية بعد مشروع رأس الحكمة مع شركة «مُدن» الإماراتية، لكن تصريحات وزير المالية أحمد كجوك تكشف جوهر ما يجري: نصف عوائد الحكومة من صفقة علم الروم ستذهب مباشرة لخدمة الديون وخفض المديونية.

 

أي أن الأرض التي عاش عليها الأهالي لعقود تُباع عمليًا لسداد ثمن سياسات اقتصادية فاشلة أغرقت البلاد في الديون، حتى استحوذت فوائدها وحدها على معظم إيرادات الموازنة.

 

ففي السنة المالية 2024/2025 وصلت فوائد الديون إلى مستوى غير مسبوق، ودفعت العجز الكلي إلى نحو 1.2 تريليون جنيه، مقارنة بـ505 مليارات فقط في العام السابق.

 

ومع ذلك، بدلًا من مراجعة مسار الاقتراض والتوسع في بيع الأصول، تلجأ الحكومة إلى المزيد من الصفقات التي تُخرج الأرض من يد أهلها، لصالح كبار المستثمرين، مع تعويضات منقوصة، ووعود براقة، وخطاب رسمي يحاول إقناع الناس بأن هذا هو «طوق النجاة».

 

في النهاية، يظهر وزير الإسكان كوجه تنفيذي لهذه السياسة: يتحدث عن تصميم الطرق، وبدء تنفيذ منطقة السكن البديل في «الغابة الشجرية»، وكأن كل شيء مرتب ومضمون، بينما الحقيقة أن آلاف المواطنين ما زالوا بين التهجير القسري المقنّع وتعويضات لا تحترم الحد الأدنى من العدالة.

 

وزير بهذه الصورة لا يقدّم «تنمية»، بل يشارك في تضليل الرأي العام وحماية صفقة استثمارية على حساب أصحاب الأرض والحق.