فى تطور متسارع لشكل السيطرة على شمال شرق سوريا، أعلنت وزارة الداخلية السورية اليوم الأربعاء 21 يناير 2026 إحكام السيطرة على مخيم الهول والسجون الأمنية فى محافظة الحسكة، بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية «قسد» منها، مع الإقرار بهروب سجناء تابعين لتنظيم داعش خلال الفوضى التى رافقت عملية الانتشار.
يتزامن ذلك مع إعلان الرئاسة السورية عن تفاهم مشترك مع «قسد» بخصوص مستقبل محافظة الحسكة، يتضمن وقفًا لإطلاق النار لمدة أربعة أيام، ومهلة زمنية مماثلة لقيادة «قسد» لتقديم تصور تفصيلى لآلية دمج قواتها ومؤسساتها ضمن هياكل الدولة السورية، وسط ترحيب تركى حذر وضغوط أميركية واضحة على الأكراد للقبول بالاندماج.
ورغم لغة التهدئة فى البيانات الرسمية من دمشق و«قسد»، فإن المشهد الميدانى لا يزال هشًا؛ مع استمرار القلق من خطر السجناء الفارين، وتقارير عن خروقات متبادلة للهدنة فى محيط السجون ومناطق التماس، وتفاقم الأوضاع الإنسانية لعشرات الآلاف من النازحين فى الحسكة والرقة والقامشلى.
الهول «منطقة أمنية مغلقة».. والسلطات تطارد الفارين من داعش
وزارة الداخلية السورية أعلنت فى بيان اليوم أن مخيم الهول والسجون الأمنية التى تسلمتها من «قسد» فى ريف الحسكة تحولت إلى «مناطق أمنية محظورة»، مؤكدة أن قوات الأمن تعمل على «تأمين المناطق التى انتشرت بها، والبحث عن بقية الفارين من سجناء تنظيم داعش»، ومحذرة المدنيين من الاقتراب من تلك المواقع تحت طائلة الملاحقة القانونية.
السلطات الأمنية أوضحت أن عمليات التمشيط أسفرت حتى الآن عن إعادة اعتقال عشرات السجناء، بينهم 81 من عناصر داعش الذين فرّوا من أحد السجون فى الحسكة، بينما ما زال آخرون طلقاء، وسط تقديرات أميركية وغربية بأن عدد الهاربين قد يصل إلى 120–200 معتقل، ما يثير مخاوف من إعادة تنشيط خلايا التنظيم النائمة فى البادية ومحيط دير الزور والرقة.
دمشق من جهتها تتهم «قسد» بأنها «خلقت بيئة الفوضى» عبر انسحاب مفاجئ من بعض السجون والمخيمات، بينما ترد «قسد» بأن الاقتحامات الحكومية المتكررة ومحاولات فرض السيطرة بالقوة هى التى عرضت السجون لخطر الانهيار وأتاحت الفرصة لعمليات الهروب. وفى كل الأحوال، يدفع المدنيون ثمن هذا الصراع المفتوح على حساب ملف بالغ الحساسية، هو ملف معتقلى داعش وعائلاتهم.
اتفاق الحسكة ومهلة الأربعة أيام: دمجٌ تحت الضغط أم تسوية اضطرارية؟
بيان الرئاسة السورية، الصادر مساء أمس، كشف عن ملامح تفاهم سياسى – أمنى مع قيادة «قسد» بخصوص مستقبل محافظة الحسكة، يقوم على وقف إطلاق النار ومنح «قسد» مهلة أربعة أيام للتشاور الداخلى، من أجل وضع خطة تفصيلية لآلية دمج المناطق والقوات والإدارات عمليًا ضمن مؤسسات الدولة.
وبحسب البيان، لن تدخل القوات السورية فى الوقت الحالى مراكز مدينتى الحسكة والقامشلى، وستبقى على أطرافهما، على أن تتم لاحقًا مناقشة جدول زمنى للدمج السلمى للمحافظة، بما فى ذلك وضع القامشلى. كما جرى التأكيد على أن القرى الكردية ستبقى بلا وجود لقوات عسكرية نظامية، وأن الأمن فيها سيتولاه «قوات محلية من أبناء المنطقة».
الاتفاق الأوسع، الذى جرى التوصل إلى خطوطه العامة فى 18 يناير، ينص على اندماج كامل لقوات «قسد» فى الجيش والأجهزة الأمنية السورية، وتسليم محافظتى الرقة ودير الزور إداريًا وعسكريًا للحكومة، إلى جانب إدارة مخيمات وسجون داعش وحقول النفط والمعابر الحدودية من قبل الدولة المركزية، مقابل ضمانات سياسية وحقوقية للأكراد ضمن مؤسسات الحكم الجديدة.
فى المقابل، تؤكد «قسد» فى بياناتها الأخيرة التزامها بوقف إطلاق النار، مع التشديد على أنها «لن تبادر إلى أى عمل عسكرى ما لم تتعرض قواتها لهجمات»، وأنها منفتحة على المسارات السياسية والحلول التفاوضية، لكنها تحذر من أن استمرار الخروقات الحكومية قد ينسف أى أمل باتفاق مستدام.
هدنة هشة وتداعيات إقليمية وإنسانية: قلق من عودة داعش وتصاعد النزوح
على الصعيد الإقليمى، استغل الرئيس التركى رجب طيب إردوغان إعلان وقف إطلاق النار والاتفاق السياسى ليجدّد دعمه العلنى لدمج «قسد» بالكامل فى مؤسسات الدولة السورية، معتبرًا أن هذه الخطوة قد تفتح «عهدًا جديدًا» فى سوريا بشرط أن «تُسقط البنية المسلحة المرتبطة بحزب العمال الكردستانى». وأكد أنه أجرى اتصالًا «مثمرًا» مع الرئيس الأميركى دونالد ترامب لمناقشة مستقبل شمال شرق سوريا والحرب على داعش.
الولايات المتحدة من جهتها تبدو فى طور إعادة تموضع؛ فالمبعوث الأمريكى توم باراك وصف عرض الاندماج بأنه «أفضل فرصة متاحة للأكراد»، فى إشارة إلى تحول واضح فى السياسة الأميركية باتجاه دعم حكومة أحمد الشرع والتعامل مع «قسد» كقوة يجب أن تُستوعب داخل الدولة لا أن تبقى شريكًا عسكريًا مستقلًا على الأرض.
ميدانيًا، ورغم الإعلان المتكرر عن وقف إطلاق النار، تتحدث تقارير ميدانية عن اشتباكات متناثرة وخروقات فى محيط الرقة والشدادى وبعض مناطق ريف الحسكة، مع استمرار القلق على مصير السجون التى كانت تضم آلاف معتقلى داعش، وتضارب الأرقام حول الهاربين ومن تمت إعادة اعتقالهم.
أما إنسانيًا، فتشير تقارير حقوقية إلى أن عشرات الآلاف نزحوا خلال الأسابيع الماضية من مناطق الاشتباكات فى الحسكة والرقة والقامشلى، ولجأوا إلى مراكز إيواء مكتظة تعانى نقصًا حادًا فى الغذاء والماء والرعاية الصحية، بينما لم تنجح المنظمات الدولية بعد فى مواكبة وتيرة النزوح وسد الفجوات الأساسية فى الخدمات.
هكذا، يدخل شمال شرق سوريا مرحلة شديدة الحساسية: هدنة مهددة بالانهيار، وسلطة مركزية تمد يدها بالاندماج تحت فوهة البندقية، وقوة كردية تحاول أن تنجو بحقوقها من دون أن تخسر وجودها، وسط برميل بارود اسمه «سجون داعش»؛ أى خطأ فى إدارة هذا الملف قد يعيد شبح التنظيم إلى الواجهة، ويفجّر المنطقة من جديد.

