قرار مجموعة "سي.إم.إيه-سي.جي.إم" الفرنسية، ثالث أكبر شركة شحن حاويات في العالم، بتحويل سفنها بعيدًا عن قناة السويس على ثلاثة من خطوطها، يكشف بوضوح أن الحديث عن "عودة الأمور إلى طبيعتها" في البحر الأحمر لا يزال وهمًا أكثر منه واقعًا.
ورغم وقف إطلاق النار في غزة وتوقف هجمات الحوثيين لفترة، إلا أن الشركة بررت قرارها بـ"السياق الدولي المعقد وغير المؤكد"، في إشارة إلى أن المخاطر الجيوسياسية لا تزال حاضرة بقوة، وأن ثقة كبار الفاعلين في الملاحة العالمية لم تُستعد بعد. هذا التحول لا يضرب فقط واحدًا من أهم الممرات الملاحية في العالم، بل يطرح أسئلة قاسية عن مستقبل المنطقة، وعن قدرة القوى الدولية والإقليمية – وعلى رأسها مصر – على تأمين واحد من أعصاب الاقتصاد العالمي.
من الحرب على غزة إلى البحر الأحمر: خطوط الشحن تدفع ثمن صراعات السلاح والسياسة
منذ أواخر عام 2023، لم تعد خطوط الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس مجرد طرق تجارية، بل تحولت إلى ساحة ضغط سياسي مرتبطة بالحرب الإسرائيلية على غزة. فقد بدأت شركات الشحن العالمية في تحويل سفنها إلى طريق رأس الرجاء الصالح حول جنوب أفريقيا، بعد هجمات جماعة الحوثي على السفن التجارية في البحر الأحمر، التي قالت إنها تهدف إلى دعم الفلسطينيين والضغط على إسرائيل وحلفائها.
مع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وتوقف هجمات الحوثيين، تزايدت الآمال بأن تعود حركة الملاحة إلى مسارها الطبيعي، وأن تستعيد قناة السويس جزءًا مما فقدته من عبور السفن وعائدات الرسوم. بالفعل، بدأت "CMA CGM" اختبار العودة تدريجيًا، عبر عمليات عبور محدودة بمرافقة بحرية، وأرسلت سفينتي حاويات كبيرتين عبر القناة، وكانت تخطط لتسيير عبور منتظم على خط يربط الهند بالولايات المتحدة.
لكن قرارها الأخير بإعادة تحويل السفن يكشف أن الشركات الكبرى لا تقرأ المشهد فقط في ضوء هدنة هنا أو تهدئة هناك، بل تنظر للصورة الأوسع: صراع مفتوح في الإقليم، توتر مع إيران، تهديدات أميركية بالتدخل، وحديث دائم عن "احتمال تصعيد" في أي لحظة. هذه البيئة تجعل من البحر الأحمر وقناة السويس نقطة اشتعال محتملة، لا مجرد ممر آمن، فتفضّل بعض الشركات دفع تكلفة زمنية ومالية أكبر عبر طريق أطول، على أن تضع سفنها في قلب منطقة قابلة للانفجار.
"سياق دولي معقد": صياغة دبلوماسية تخفي قلقًا عميقًا من المنطقة
اللافت أن الشركة لم تُسمّ التهديدات بشكل مباشر، بل اكتفت بالحديث عن "سياق دولي معقد وغير مؤكد". هذه اللغة الدبلوماسية المعتادة في مراسلات الشركات الكبرى تخفي وراءها قلقًا واضحًا من أن أي تطور مفاجئ في الإقليم – من إيران إلى اليمن، ومن غزة إلى الخليج – قد يعيد مشهد الهجمات أو التهديدات البحرية في أي وقت.
منذ ديسمبر، عاد التوتر في إيران إلى الواجهة، وتجددت التحذيرات الأميركية، مع تصريحات من الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن احتمال التدخل إذا لزم الأمر، قبل أن يصرّح لاحقًا بأن "العنف يتراجع". لكن الشركات لا تبني قراراتها على تصريحات سياسية متقلّبة، بل على تقدير المخاطر في المدى المتوسط. وما تراه هذه الشركات اليوم هو منطقة مشبعة بالأزمات، لا يمكن القَسَم بأنها دخلت مرحلة استقرار حقيقي.
وفي مقابل حذر "CMA CGM"، أعلنت شركة "ميرسك"، ثاني أكبر شركة شحن حاويات في العالم، أنها ستعيد أحد خطوطها إلى البحر الأحمر وقناة السويس. هذا التباين يكشف أن المشهد لا يزال ضبابيًا: بعض الشركات تراهن على تحسن الأوضاع وتحاول استعادة المسار الأقصر، وأخرى تختار الحد الأقصى من التحوط، وتراهن على طريق أطول لكنه – في نظرها – أقل تهديدًا.
الخاسر الأكبر: قناة السويس واقتصاد يتآكل مع كل سفينة تغيّر مسارها
خلف هذه القرارات التقنية، يقف واقع اقتصادي قاسٍ لدول المنطقة، وعلى رأسها مصر التي تعتمد بشكل كبير على إيرادات قناة السويس كمصدر رئيسي للعملة الصعبة. كل سفينة تقرر التحويل إلى طريق جنوب أفريقيا تعني خسارة مباشرة لرسوم عبور القناة، وتآكلًا إضافيًا في الموارد في وقت تعاني فيه البلاد أصلًا من أزمة ديون وعجز متفاقم في الميزانية واحتياج دائم للعملة الأجنبية.
قرار "CMA CGM" بعدم توسيع عمليات العبور، بل تقليصها على ثلاثة خطوط، يضيف ضربة جديدة لصورة القناة كممر آمن ومستقر، ويعزز انطباعًا مقلقًا لدى شركات أخرى قد تتخذ قرارات مشابهة إذا استمر "السياق الدولي المعقد" على حاله. ومع كل خبر عن تحويل مسار، يصبح الحديث الرسمي عن "ثقة العالم في قناة السويس" بحاجة إلى مراجعة جدية، لا إلى مزيد من الخطابات.
في النهاية، ما يحدث اليوم يوضح أن أمن الممرات الملاحية لم يعد مجرد ملف فني يتعلق بتعميق القناة أو تطوير الخدمات، بل ملف سياسي واستراتيجي يرتبط بأداء الأنظمة، وتحالفاتها، وقدرتها على تجنيب المنطقة حروب الوكالة والصراعات المفتوحة. شركات الشحن الكبرى تقرأ الواقع جيدًا، وتتحرك وفق حسابات باردة: طريق أطول وتكلفة أعلى، أفضل عندها من عبور منطقة لم تعد تثق بأنها خارج دائرة الخطر.

