أثار منشور متداول يتضمن صورة للنائب ناجي الشهابي وهو يقول: “لا نعترف بيوم خمسة وعشرين يناير إلا عيدًا للشرطة في مصر فقط” موجة غضب واسعة على منصات التواصل.

 

ليس لأن الجملة جديدة في حدتها، بل لأنها تُقال من داخل مؤسسة يفترض أنها تمثل الشعب بكل أطيافه، وتستوعب اختلاف الذاكرة السياسية لا أن تصادرها.

 

وبين من رأى في التصريح “إهانة” لحدث صنعه ملايين المصريين، ومن اعتبره “تموضعًا سياسيًا” في سياق رسمي يفضّل رواية واحدة، عاد سؤال قديم إلى الواجهة: من يملك الحق في تعريف يوم يناير؟ وهل تُدار الذاكرة الوطنية بالإنكار أم بالاعتراف والتعدد؟

 

ذاكرة يوم يناير بين عيد الشرطة وشرارة الثورة

 

يوم 25 يناير يحمل في الوعي المصري طبقتين متداخلتين: الأولى رسمية مرتبطة بعيد الشرطة وتضحياتها، والثانية شعبية سياسية مرتبطة بانطلاق احتجاجات عام 2011م.

 

المشكلة لا تبدأ من الاعتراف بعيد الشرطة، ولا من تقدير مؤسسة أمنية قدّمت شهداء، بل من تحويل هذا الاعتراف إلى سكين لإلغاء المعنى الآخر.

 

حين يقول نائب “لا نعترف” فهو لا يصف موقفًا شخصيًا فقط، بل يصدر حكمًا إقصائيًا كأنه يتحدث باسم الدولة وباسم الناس معًا.

 

اختزال اليوم في معنى واحد يفتح الباب لفكرة أخطر: أن الوطن لا يحتمل سوى رواية واحدة، وأن أي محاولة لقول “كان هناك ثورة” تُعامل كاعتداء على الدولة، لا كجزء من تاريخها المعقّد.

 

وهذا النهج لا يحمي الاستقرار كما يظن أصحابه، بل يضاعف الانقسام؛ لأن المجتمع لا ينسى بالتعليمات، ولا يراجع ذاكرته تحت التهديد.

 

وحتى لو اختلف الناس حول حصيلة يناير، يظل إنكار وجودها أصلًا نوعًا من محو التجربة الإنسانية والسياسية لملايين خرجوا في الشارع وواجهوا القمع والخوف والأمل.

 

من يمثل من؟ أزمة الشرعية حين يتكلم نائب بصيغة “نحن”

 

الضجة حول التصريح تضاعفت لأن من قاله نائب داخل مؤسسة تشريعية. في السياسة، لا تزعج الناس “الآراء” بقدر ما يزعجهم الادعاء بأن الرأي يمثلهم جميعًا.

 

حين يتحدث نائب بصيغة “لا نعترف” فهو يضع نفسه فوق المجتمع، ويصنع من كرسيه منصة للوصاية على شعور عام لا يملكه.

 

هنا تظهر أزمة أعمق: أزمة تمثيل حقيقية، حيث يشعر قطاع واسع من المواطنين أن البرلمان لا يعكس تنوع البلد ولا يعبّر عن آلامه وأسئلته، بل يكرر خطابًا رسميًا جاهزًا.

 

الانتقادات التي صاحبت الصورة لم تتوقف عند الجملة، بل طالت “المسار السياسي” الذي أنتج مشهدًا يصبح فيه إنكار يناير “موقفًا مريحًا” لا يترتب عليه ثمن داخل المؤسسات. في المناخ الطبيعي، كان يفترض أن يثير تصريح بهذه الحساسية نقاشًا برلمانيًا واسعًا حول معنى المصالحة الوطنية والذاكرة العامة، لا أن يتحول إلى مادة للتلاسن فقط.

 

لكن حين يضعف البرلمان، ويغيب دوره الرقابي، يصبح الصوت الأعلى هو صوت الاستقطاب: إما تمجيد مطلق أو إلغاء مطلق، دون مساحة للعقل والتحليل.

 

القسم الدستوري وحدود الخطاب العام: هل يُقصي نائب حق الناس في سرد تاريخهم؟

 

المنشور الغاضب المرفق بالصورة يتهم النائب بمخالفة القسم الدستوري ويطالب بإقصائه.

 

بعيدًا عن اللغة الجارحة التي تنتشر عادة في لحظات الاحتقان، تظل الفكرة الجوهرية جديرة بالنقاش: هل يحق لمسؤول منتخب أو مُعيَّن أن ينفي حدثًا تاريخيًا لا يزال حاضرًا في وجدان ملايين المواطنين؟ وهل وظيفة النائب أن يفرض تعريفًا واحدًا للوطنية؟

 

القسم الدستوري، بمعناه السياسي والأخلاقي، يفترض احترام الدستور وإرادة الناس وحرياتهم الأساسية، وفي مقدمتها حرية الرأي والتعبير. عندما يتحول الخطاب إلى نفي وإلغاء، فهو لا يجرح أنصار يناير فقط، بل يجرح فكرة التعدد نفسها: حق المختلف أن يروي ما عاشه، وحق المجتمع أن يتذكر ويتجادل دون تخوين.

 

والأخطر أن “إنكار يناير” لا يُقرأ مجرد رأي، بل يُقرأ كرسالة تقول إن أي محاولة لمحاسبة السلطة أو الاعتراض عليها ستُسحب منها الشرعية بأثر رجعي.

 

في النهاية، الوطن لا يبنى على محو ما جرى، بل على الاعتراف بما جرى ثم مناقشته بصدق: أخطاء يناير، وخيباتها، وانتصاراتها، وتضحياتها، ومن التقط موجتها، ومن استثمر انهيارها.

 

هذه نقاشات مؤلمة لكنها ضرورية، أما الإنكار فليس حلًا بل هروب.

 

يناير ليست شهادة يملكها نائب.. ولا ذاكرة تُصادرها لافتة

 

الاستفزاز الذي أثاره التصريح مفهوم، لأن الناس لا تغضب فقط دفاعًا عن “يوم” بل دفاعًا عن حقها في سرد تاريخها. يمكن لأي شخص أن يختلف مع يناير، وأن ينتقدها، وأن يحمّلها مسؤولية، لكن تحويل الاختلاف إلى “لا نعترف” هو اعتداء على فكرة الوطن بوصفه مساحة للجميع.

 

وإذا كانت مصر تريد تهدئة حقيقية لا تهدئة قسرية، فطريقها ليس إنكار الأحداث، بل فتح نقاش عام يحترم عقل الناس ويعترف بأن التاريخ لا يُكتب بقرار، وأن الذاكرة الوطنية لا تُدار بالتوبيخ. يناير، مهما اختلفنا حولها، جزء من قصة مصر الحديثة… ومن يريد حذفها إنما يضيف سطرًا جديدًا إلى أزمة أكبر: أزمة السياسة حين تكره الحقيقة لأنها لا تخضع.