تشهد سوريا أعنف جولات القتال منذ سقوط نظام بشار الأسد، إذ اندلعت اشتباكات دامية بين الحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع وقوات سوريا الديمقراطية ذات الغالبية الكردية. يشرح الكاتب بول إيدون في هذا التحليل كيف أعادت هذه المواجهات إبراز الدور التركي الحاسم، وسط اصطفافات إقليمية ودولية معقّدة قد تعيد رسم خريطة النفوذ في البلاد.
يشير التقرير إلى أن التحليل نُشر في موقع العربي الجديد، الذي تابع تطورات المواجهة وانعكاساتها السياسية والعسكرية، مع تركيز خاص على الحسابات التركية والسورية في مرحلة ما بعد الأسد.
دعم تركي حاسم لدمشق
تؤكد أنقرة دعمها الواضح لدمشق مع تصاعد الاشتباكات، وتعرض مساندة عسكرية وسياسية بوصفها الداعم العسكري الأبرز للحكومة السورية الجديدة. يصرّح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأن اللجوء إلى القوة يظل خيارًا مطروحًا إذا فشلت مسارات الحوار، في إشارة مباشرة إلى قوات سوريا الديمقراطية. تتزامن هذه التصريحات مع خمسة أيام من القتال في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية ذوي الغالبية الكردية في حلب، حيث يسقط عشرات القتلى ويُجبر آلاف المدنيين على النزوح.
يتقدم الجيش السوري شرقًا بعد هذه الاشتباكات، ويعلن المناطق الواقعة غرب نهر الفرات والخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية مناطق عسكرية مغلقة. يسيطر لاحقًا على دير حافر ومسكنة، ثم يدفع باتجاه الطبقة ويتوغل في مناطق عربية شرق الفرات مثل دير الزور والرقة، ويستولي على حقل العمر النفطي، الأكبر في البلاد. يبرز هنا تأثير الدعم التركي الذي يمنح دمشق ثقة وقدرة أكبر على توسيع عملياتها.
«دولة واحدة وجيش واحد»
ينقل التقرير آراء محللين يرون أن أنقرة وضعت خطوطًا حمراء واضحة أمام حكومة الشرع، حتى إن لم تعلنها رسميًا. يوضح آرون لوند أن المصالح التركية والسورية تتقاطع في رفض أي كيان كردي ذي حكم ذاتي، ما يجعل الطرفين في حالة انسجام استراتيجي. يعزز هذا التقدير حديث صحفيين وباحثين عن تواصل عسكري مباشر ومنتظم بين أنقرة ودمشق، ظهر بوضوح قبل وبعد عملية حلب.
تذهب تصريحات وزارة الدفاع التركية أبعد من ذلك عندما تؤكد الاستعداد للقتال إلى جانب دمشق، وتصف العلاقة بعبارة «دولة واحدة وجيش واحد». مع ذلك، يلفت محللون آخرون إلى أن نفوذ أنقرة يظل مرتبطًا بمدى توافق مصالحها مع حسابات دمشق الداخلية، وأن الحكومة السورية الجديدة لا ترغب في الظهور كأداة بيد أي طرف خارجي.
اندماج مؤجّل ومخاطر تصعيد
تأتي أزمة حلب بعد انتهاء مهلة اتفاق اندماج وُقّع سابقًا بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، ونصّ على دمج هذه القوات ومؤسساتها المدنية في الدولة السورية. يعود الخلاف حول شكل الاندماج، إذ تصرّ دمشق على انضمام المقاتلين كأفراد، بينما تطالب قوات سوريا الديمقراطية بالاندماج كوحدات. يعيد الاتفاق الجديد التأكيد على موقف الحكومة، بدعم تركي صريح.
يرى محللون أن خسارة قوات سوريا الديمقراطية مواقعها في حلب تمثل ضربة سياسية ومعنوية، لكنها لا تحسم ميزان القوى بالكامل. يوضح لوند أن بعض المناطق التي تقدمت فيها القوات الحكومية تشكّل خطوط دفاع حقيقية تحمي الطريق إلى الرقة والبنية النفطية، ما يجعل السيطرة عليها تهديدًا أوسع لمناطق شرق الفرات. في المقابل، يحذّر خبراء من أن أي حرب شاملة ستصطدم بقيود دولية، خاصة مع عدم استعداد الولايات المتحدة لقبول جولة جديدة من عدم الاستقرار.
يرجّح التقرير أن يظل وقف إطلاق النار هشًا، وأن يصبح اندماج قوات سوريا الديمقراطية أقرب إلى الحتمية إذا صمد الاتفاق. أما انهياره، فقد يفتح الباب لتصعيد أوسع تميل كفته لصالح دمشق بدعم تركي، مع مخاطر كارثية على بلد لم يتعافَ بعد من حربه الطويلة.
https://www.newarab.com/analysis/turkeys-pivotal-position-syria-sdf-conflict

