من جديد، عاد قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي ليكرر لازمة «تجديد الخطاب الديني» خلال كلمته أمام المشاركين في المؤتمر الدولي السادس والثلاثين للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، المنعقد في القاهرة يومي 19 و20 يناير 2026، وسط حضور رسمي وديني مكثف لوزراء ومفتين ورؤساء مجالس وهيئات إسلامية.

 

في الظاهر، تبدو الكلمات دعوة عقلانية إلى تنقية الدين من التوظيف المتطرف، وإلى مواءمته مع «المستقبل الرقمي» كما قال السيسي. أما في الجوهر، فهي استمرار لخطاب سياسي يستخدم الدين كسلاح ناعم في يد سلطة عسكرية تريد احتكار تعريف الإيمان، وحدود المسموح والممنوع في الدين والسياسة معًا.

 

تجديد الخطاب الديني أم تجريد الدين من حقه في نقد الظلم؟

 

طرح السيسي تجديد الخطاب الديني بوصفه ضرورة ملحّة حتى لا يتحول الدين إلى ساحة للصراع أو الجدل أو الإساءة، ولا إلى أداة تستغلها تيارات التطرف والعنف. هذا الكلام يبدو للوهلة الأولى مقبولًا، لكن المشكلة تكمن في من يحتكر حق تعريف «التطرف» و«الاختطاف» و«سوء الاستخدام». في خطاب السلطة، كل قراءة للدين تذكّر بالعدل، وتدين الظلم، وترفض الاستبداد، يمكن أن تُصنَّف بسهولة ضمن خانة «التحريض» و«تهديد الأمن القومي». هكذا يتحول الدين المقبول رسميًّا إلى دين منزوع المخالب، لا يقترب من السياسة إلا لتمجيد الحاكم، ولا يقترب من المجتمع إلا ليدعو الناس إلى الصبر على الفقر والقهر باسم «الابتلاء» و«المصلحة العليا».

 

حين يتحدث السيسي عن حماية الدين من الاختطاف، يتجاهل أن الدين في مصر بات مختطفًا بالفعل، ولكن لصالح السلطة لا ضدها. المساجد خاضعة لرقابة وزارة الأوقاف، والخطب الموحدة تأتي من فوق، والأئمة الذين يرفضون أداء دور «المذيع الرسمي» يُستبعدون أو يُعاقَبون. هذه ليست صيغة لتجديد الخطاب، بل لتأميمه بالكامل لصالح رواية واحدة لا تُسمح بمناقشتها. والنتيجة أن الخطاب الديني يفقد مصداقيته في أعين كثير من الناس، لأنه يُستخدم غطاءً لسياسات قمعية بدل أن يقف في صف المظلومين.

 

بناء الإنسان بين الشعارات البراقة والواقع القمعي

 

ربط السيسي بين بناء الأوطان وبناء الإنسان، وتحدث عن رؤية رسمية تستثمر في الإنسان لإعداد جيل «واعٍ ومستنير» قادر على مواجهة تحديات العصر والمشاركة في التنمية. لكن هذا الحديث يصطدم مباشرة بواقع عملي يرى فيه المصريون أن كل من يحاول أن يفكر بحرية، أو يعبر عن رأي مستقل، أو يكتب نصًّا لا يروق لأجهزة الأمن، يجد نفسه مطاردًا أو مفصولًا أو محبوسًا. كيف يمكن لدولة تحاصر الصحافة، وتخنق الجامعات، وتجرّم الكلمة الناقدة، أن تدّعي أنها تبني إنسانًا مستنيرًا؟

 

الخطاب عن «جيل واعٍ» يفقد معناه أمام مشاهد الشباب الذين يغادرون البلد يأسًا، أو الذين يقضون أجمل سنوات عمرهم بين الحبس الاحتياطي والمنع من السفر لمجرد أنهم حلموا بديمقراطية حقيقية، أو كتبوا ما يرونه حقًّا على صفحات التواصل الاجتماعي. في مثل هذه البيئة، يصبح تجديد الخطاب الديني مجرد حلقة إضافية في مشروع أكبر عنوانه إعادة تشكيل الإنسان المصري ليكون مطيعًا، منزوع الإرادة، خائفًا من السياسة، مقتنعًا بأن الدين يعني الاستسلام للقوة لا مقاومتها.

 

السيسي يحذر من أن سوء استخدام الدين قد يدفع الشباب نحو الإلحاد، لكنه يتجاهل أن أخطر ما يدفع الناس إلى النفور من الدين هو تحويله إلى أداة لتبييض وجه سلطة ظالمة، واستخدامه لتبرير القمع والقتل والفشل الاقتصادي باسم «الحفاظ على الدولة». حين يرى الشاب أن خطيب المسجد يكرر ما يقوله المذيع العسكري نفسه، وأن آيات الرحمة والعدل تتحول على المنبر إلى غطاء لقوانين قمعية، فمن الطبيعي أن تهتز ثقته في الخطاب الديني الرسمي، وربما في الدين كما يقدَّم له.

 

الأزهر والسلطة.. تجديد بالضغط لا بالاجتهاد

 

تصريحات السيسي الأخيرة ليست منفصلة عن سياق ممتد منذ سنوات، طالب فيه أكثر من مرة بـ«ثورة دينية» و«تجديد شامل للخطاب الديني»، ودخل في توترات معلنة مع الأزهر حول قضايا مثل الطلاق الشفهي وتجديد الفقه والمناهج، وحدود تدخل الدولة في الشأن الديني. الأزهر، من جانبه، أعلن مرارًا تمسكه بدوره الديني المستقل، لكن الواقع كشف أن السلطة لا تريد شريكًا في المجال الديني، بل تابعًا يزكّي خياراتها.

 

تحت ضغط هذا الخطاب، تعرض كثير من العلماء المستقلين للإقصاء والتهميش، بينما صعد نجوم جدد يرتدون عباءة «العالم الرسمي» يتحدثون بلغة واحدة تتناغم تمامًا مع ما يريده القصر والقيادة السياسية. ما يسمى بتجديد الخطاب الديني لم يأت من خلال فتح باب الاجتهاد الحقيقي، ولا عبر نقاش علمي هادئ داخل المؤسسات العلمية، بل عبر ضغط سياسي وأمني وإعلامي يرسم حدود المسموح والممنوع، ثم يطالب المؤسسة الدينية أن تبارك هذه الحدود بفتاوى وبيانات.

 

في النهاية، لا يمكن التعامل مع خطاب السيسي عن تجديد الخطاب الديني كدعوة بريئة للإصلاح الفكري أو الفقهي. ما يجري أقرب إلى محاولة لإنتاج «إسلام رسمي جديد» منزوع القدرة على نقد الحاكم أو مقاومة الظلم، ومصمم خصيصًا لخدمة سلطة عسكرية مأزومة تبحث عن شرعية روحية بعد أن فقدت شرعية الإنجاز والعدل. هنا يصبح السؤال الحقيقي: ليس كيف نجدد الخطاب الديني، بل كيف نحرر الدين من قبضة السياسة، ونحرر الإنسان من سلطة تستخدم اسم الله لتمديد عمر حكمها، لا لإقامة ميزان الحق والعدل بين الناس.