إعلان وزارة الزراعة السماح بتصدير الكلاب المصرية – وعلى رأسها الكلب البلدي – لـ“أغراض الحراسة والبحث العلمي” أعاد فتح واحد من أكثر الملفات فضيحة في إدارة الشأن العام: ملف 11 مليون كلب ضال يتجولون في شوارع مصر، بين عضٍّ للأطفال، وحوادث مرعبة، وحملات قتل عشوائي، وغياب كامل لرؤية محترمة.

 

الحكومة تسوّق القرار بوصفه “فرصة تنظيمية واقتصادية” واعترافًا بقيمة الكلب البلدي الجينية، بينما يرى كثيرون أن ما يجري هو محاولة جديدة للهروب من مسؤولية بناء سياسة حقيقية لإدارة الحيوانات الضالة، وتحويل الأزمة إلى “فرصة تصدير” بدلًا من مواجهة جذورها.

 

تصدير تحت شعار “تنظيم السوق”.. أم تصدير للعجز عن الحل؟

 

الخطاب الرسمي يحاول أن يُظهر القرار في أفضل صورة ممكنة:

 

- التصدير “لن يكون عشوائيًا”، بل وفق ضوابط بيطرية صارمة.

 

- الكلاب تُصدَّر لأغراض “الحراسة والبحث العلمي”، لا للإيذاء أو الاستغلال الوحشي.

 

- الطلب الدولي على الكلب البلدي “اعتراف بقيمته الجينية وقدراته في العمل الأمني”.

 

على الورق، يبدو أن الدولة أخيرًا “اكتشفت” أن الكلب البلدي ليس مجرد كائن مزعج في الشارع، بل حيوان يمكن تدريبه والاستفادة منه. لكن المشكلة ليست في الاعتراف بقيمته، بل في تحويله فجأة إلى سلعة تصدير، بينما لا تزال الحكومة عاجزة عن أبسط واجباتها:

 

- إحصاء دقيق للأعداد في كل محافظة.

 

- خطة شفافة للتطعيم والتعقيم.

 

- تحديد أدوار واضحة بين وزارة الزراعة، والإدارة المحلية، والشرطة، ومنظمات المجتمع المدني.

 

التعامل مع التصدير كـ“إنجاز” في هذا الملف يشبه من يبيع جزءًا من بيته ليسد فاتورة الكهرباء، ثم يخرج ليتحدث عن “نجاحه في تعظيم الاستفادة من الأصول”. الحقيقة أن تصدير آلاف الكلاب – حتى لو توسّع – لن يهز رقم 11 مليون كلب ضال، لكنه يمنح الحكومة مادة دعائية جديدة عن “تجارة واعدة” بدلًا من الاعتراف بفشل إدارة الملف من الأساس.

 

11 مليون كلب ضال.. المشكلة أكبر من قفص شحن في المطار

 

حين نضع الأرقام على الطاولة، تنهار وهم “الحل السريع”:

 

حتى لو افترضنا أن مصر صدّرت عشرات الآلاف من الكلاب سنويًا (وهو رقم ضخم عمليًا)، فإن ذلك يظل نقطة في بحر أمام ملايين الكلاب التي تتكاثر بلا أي ضبط حقيقي. تصدير الكلاب، مهما توسّع، يظل أداة هامشية لا يمكن التعامل معها كخطة قومية.

 

الحلول المعترف بها دوليًا – من منظمة الصحة العالمية ومنظمات الرفق بالحيوان – ليست سرًا:

 

- التعقيم المنهجي لقطع سلسلة التكاثر.

 

- التطعيم المنتظم للحد من السعار والأمراض المشتركة.

 

- إدارة منظومة المخلفات التي توفّر غذاءً مجانيًا للكلاب في الشوارع.

 

- نشر ثقافة التبنّي والمسؤولية في التعامل مع الحيوانات الأليفة بدل رميها في الشارع عند أول أزمة.

 

الحكومة تقول إنها بدأت بالفعل حملات تعقيم منذ يناير الماضي، لكنها تعترف ضمنيًا بأن التمويل والقدرة الاستيعابية لا تسمحان بتغطية حجم الظاهرة. هنا يظهر التناقض الفجّ:

 

الدولة التي تتفاخر بمشروعات بمليارات الدولارات، لا تستطيع توفير ميزانية كافية لبرنامج تعقيم شامل يحدّ من خطر يهدد حياة وصحة ملايين المواطنين.

 

ثم تأتي لتسوّق تصدير الكلاب بوصفه جزءًا من “منظومة حلول مبتكرة”، بينما هو في الحقيقة مسار جانبي لا يقترب من لبّ المشكلة: سوء إدارة المجال العام، وضعف الخدمات البيطرية، وغياب سياسة وطنية متكاملة للحيوانات الضالة.

 

بين الأخلاق والتجارة… هل تصبح الأزمة منجم أرباح جديدًا؟

 

فتح باب التصدير بهذا الشكل يطرح أيضًا أسئلة أخلاقية وحقوقية لا يمكن تجاهلها:

 

- ما الضمانات الفعلية – لا الكلامية – على أن هذه الكلاب لن تُستخدم في تجارب قاسية أو أوضاع لا إنسانية في دول الاستيراد تحت لافتة “البحث العلمي”؟

 

- هل هناك آلية رقابة مستقلة تتابع ما يجري بعد خروج الحيوان من مصر، أم ينتهي دور الدولة عند ختم جواز السفر البيطري؟

 

- كيف نضمن ألا يتحوّل التصدير إلى باب خلفي لتجارة مربحة تستغل الفقر والفوضى، بينما يُهمَل الحل الجذري للأزمة داخل البلاد؟

 

منظمات الرفق بالحيوان – في مصر وخارجها – حذّرت مرارًا من خطورة اختزال الملف في “تجارة”، وطالبت بأن يكون أي تصدير جزءًا صغيرًا من سياسة شاملة، لا بديلًا عنها. أزمة الكلاب الضالة ليست “عبئًا يمكن شحنه في حاوية”، بل مرآة تعكس طريقة إدارة الدولة لثلاثة ملفات مترابطة:

 

- الصحة العامة (سعار، عضّ، خوف يومي للأسر في الشوارع والقرى).

 

- إدارة المدن والقمامة (كل كيس زبالة على الرصيف هو وليمة تضمن استمرار التكاثر).

 

- القانون واحترام الحياة (هل يُنظر للحيوان ككائن يستحق معاملة إنسانية، أم كشيء يمكن قتله أو بيعه أو التخلص منه بلا حساب؟).

 

في النهاية، يمكن للحكومة أن تحتفل بقرارات “تصدير الكلاب” كما تشاء، وأن تتحدث عن “الكلب البلدي كنجم عالمي جديد”. لكن ما لم تُقدِّم للناس خطة حقيقية تقوم على:

 

- تعقيم وتطعيم شاملين،

 

- تمويل كاف،

 

- شفافية في الأرقام،

 

- إشراك المجتمع المدني بدل محاصرته،

 

فسيظل كل ما يحدث مجرد محاولة جديدة لإخفاء الفشل تحت غطاء “فرص اقتصادية”، بينما يظل المواطن يواجه الكلاب الضالة في الشارع، وتواجه الكلاب مصيرًا غامضًا بين الرصاص تارة… وصناديق الشحن إلى الخارج تارة أخرى.