في زمن «الإنجازات» التي تروّج لها حكومة الانقلاب ليل نهار، جاءت أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لتضع الأمور في نصابها: الصادرات المصرية تراجعت في أكتوبر 2025 بنسبة 1.1% إلى 4.17 مليار دولار مقابل 4.22 مليار دولار في أكتوبر 2024، بينما العجز التجاري اتسع إلى 4.58 مليار دولار بدلًا من 4.52 مليار دولار، بزيادة 1.3%.

 

ورغم محاولات التجميل بالحديث عن «ضغوط خارجية» و«سلع غير تقليدية واعدة»، فإن الصورة الكلية تقول إن الاقتصاد المصري ما زال عالقًا في نفس الفخ: واردات أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، وصادرات لا تنمو بما يكفي، وعجز تجاري لا يتراجع بل يترسخ، في ظل سياسات نقدية وتجارية يعتبرها عدد من الخبراء جزءًا من المشكلة لا جزءًا من الحل.

 

أولًا - أرقام قاتمة خلف ضجيج «الإنجازات»

 

بحسب النشرة الشهرية للتجارة الخارجية، قيمة الصادرات في أكتوبر 2025 هبطت إلى 4.17 مليار دولار، بينما الواردات ارتفعت طفيفًا إلى 8.75 مليار دولار، لتُسجَّل فجوة تجارية قدرها 4.58 مليار دولار، مقارنة بـ4.52 مليار دولار في الشهر نفسه من العام السابق.

 

التفاصيل تكشف عمق الأزمة:

 

انخفاض حاد في صادرات البترول الخام بنسبة 53.7%، ومنتجات البترول بنسبة 29.6%.

 

تراجع صادرات اللدائن (البلاستيك الخام) بنسبة 22.2%، والفواكه الطازجة بنسبة 13.4%.

 

في المقابل، تحسّن محدود في صادرات الملابس الجاهزة (+9.2%)، والعجائن والمحضرّات الغذائية (+34.8%)، والأسمدة (+6.6%)، والأدوية (+11.7%).

 

هذه التركيبة تعني أن مصر تخسر في سلع تقليدية كبيرة الحجم – خاصة البترول ومشتقاته – مقابل مكاسب في سلع أقل وزنًا نسبيًا، وهو ما يفسّر عدم قدرة «القطاعات الواعدة» على تعويض تراجع المصادر الأساسية للعملة الصعبة.

 

من جانبه، يربط الدكتور محمد غمري الشوادفي تراجع الصادرات أساسًا بـ«ضغوط خارجية»، وعلى رأسها تقلبات أسعار البترول وإعادة توجيه جزء من الإنتاج لتلبية الطلب المحلي، مع اعتباره نمو صادرات الملابس والأدوية مؤشرًا إيجابيًا على زيادة القيمة المضافة الصناعية. لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن تنويع قاعدة الصادرات وتحسين منظومة اللوجستيات وخفض تكاليف الشحن شرط أساسي للخروج من حالة التذبذب الحالية.

 

ثانيًا - ضغوط خارجية أم فشل داخلي؟ ما يقوله الخبراء فعلًا

 

رواية الحكومة وخبرائها المقرّبين تركّز على «الظروف العالمية»، لكن العديد من الاقتصاديين يعتبرون أن جوهر المشكلة محلّي بالدرجة الأولى.

 

الدكتورة عالية المهدي، عميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية السابقة، ربطت في أكثر من تصريح بين العجز التجاري الكبير وبين السياسات النقدية والمالية الخاطئة، مؤكدة أن تثبيت سعر الصرف لسنوات رغم فجوة ضخمة بين الواردات (نحو 80 مليار دولار) والصادرات (قرابة 50 مليار دولار فقط) خلق اختلالات هيكلية عميقة وأبقى الطلب على الدولار أعلى كثيرًا من المعروض. وفي مقال آخر، حذّرت من أن الاستدانة وبيع الأصول لا يمكن أن يكونا حلًا لعجز الاقتصاد عن المنافسة وزيادة التصدير، بل يفاقمان التبعية للخارج.

 

الخبير الاقتصادي مراد علي يذهب في الاتجاه نفسه؛ إذ يرى أن الجزء الأكبر من الأزمة الحالية – تضخم، نقص عملة صعبة، ارتفاع أسعار – سببه سياسات داخلية: تعدد أسعار الصرف، اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، وضعف الإنتاج المحلي، ما يجعل أي صدمة خارجية تضرب الاقتصاد مضاعفة. من هذا المنظور، فإن تراجع الصادرات في أكتوبر ليس رقمًا معزولًا، بل حلقة في سلسلة فشل بنيوي في بناء قاعدة إنتاجية تصديرية حقيقية.

 

أما الدكتور كريم العمدة فيشير إلى أن ارتفاع الواردات إلى 8.75 مليار دولار – ولو بنسبة بسيطة – يعكس استمرار اعتماد مصر على الخارج في السلع الاستراتيجية، خصوصًا الطاقة والحبوب، وأن الزيادة الكبيرة في واردات الغاز وسيارات الركوب تعكس من جهة نشاطًا اقتصاديًا وطلبًا، لكنها من جهة أخرى تضغط على الميزان التجاري واحتياطيات النقد الأجنبي، ما لم تُربط بسياسات إنتاج محلي جادة.

الشوادفي والعمدة معًا يحاولان قراءة الصورة من زاوية فنية، لكن ضمّ رأيهما إلى ما تطرحه عالية المهدي ومراد علي يكشف الصورة الكاملة:

 

تذبذب التجارة الخارجية ليس قدرًا مكتوبًا، بل نتيجة مسار سياسي–اقتصادي اختار الاستدانة، وتضييق المجال العام، وتضخيم مشروعات غير منتجة، بدل فتح الاقتصاد لمنافسة حقيقية شفافة تُحفّز التصدير والاستثمار.

 

ثالثًا - عجز تجاري مزمن يهدد الاستقرار.. إلى أين يذهب اقتصاد مصر؟

 

الخبير المالي هاني توفيق يكرّر في أكثر من مناسبة أن خفض عجز الميزان التجاري وزيادة الاستثمارات هو الطريق الإجباري لبناء اقتصاد مستدام؛ فبدون زيادة حقيقية في الصادرات السلعية والخدمية، ستظل مصر مضطرة لطباعة الجنيه والاقتراض الخارجي لسد الفجوة، ما يغذّي التضخم ويضعف الثقة في العملة.

 

هذا الكلام يكتسب خطورة إضافية إذا وضعناه بجوار تحذيرات الخبير الاقتصادي عبدالمطلب عبد النبي، الذي أكد منذ سنوات أن نظام السيسي دمّر مناخ الاستثمار وراح يعيش على المعونات والقروض الخليجية التي «لن تستمر إلى الأبد»، محذرًا من أن غياب بيئة استثمار مستقرة يعني أن أي تحسّن مؤقت في المؤشرات لن يصمد طويلًا.

 

عندما تتراجع الصادرات في أكتوبر، ويتسع العجز التجاري رغم كل ما يُقال عن "خطط تعظيم الصادرات" و"استراتيجيات الدخول لأسواق جديدة"، ثم تستمر الحكومة في نفس المسار:

 

- استدانة متواصلة،

 

- بيع أصول وخصخصة تحت ضغط الدائنين،

 

- وإبقاء الاقتصاد الحقيقي – الصناعة والزراعة – تحت وطأة الضرائب والرسوم وغياب الحافز،

 

فهذا يعني أن المشكلة ليست في رقم شهر واحد، بل في اتجاه كامل يجرّ البلاد إلى مزيد من التبعية.

 

خلاصة ما يقوله الشوادفي والعمدة وعالية المهدي ومراد علي وهاني توفيق وعبدالمطلب عبد النبي يمكن تلخيصه في سؤال واحد حادّ:

 

هل تريد سلطة السيسي حقًا معالجة العجز التجاري وبناء اقتصاد إنتاجي قادر على التصدير، أم يكفيها ترقيع الأرقام شهرًا بعد شهر لتسويق "إنجازات" على الورق، بينما يدفع المصريون ثمن هذا العجز المزمن في شكل غلاء، وتراجع خدمات، وضياع لفرص العمل والكرامة الاقتصادية؟

 

حتى الآن، أرقام أكتوبر 2025 تقول بوضوح: الإنجازات الحقيقية الوحيدة هي في تضخّم الفجوة بين خطاب السلطة وواقع الاقتصاد.