أصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، عبد الفتاح البرهان، قرارًا بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السودان والمملكة العربية السعودية، في خطوة رسمية تبدو دبلوماسية بحتة، لكنها تحمل أبعادًا سياسية وأمنية حاسمة، في وقت تخوض فيه البلاد حربًا مفتوحة بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع المدعومة من دولة الإمارات الداعمة للإرهاب.
وفق وكالة الأنباء الرسمية، جاء القرار بعد تفاهمات بين البرهان وولي العهد السعودي محمد بن سلمان لتعزيز العلاقات الثنائية والوصول بها إلى “آفاق استراتيجية شاملة”. لكن توقيت القرار في سياق الحرب الداخلية يشير إلى استهداف إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية لصالح الخرطوم، خاصة في مواجهة الانتقادات الدولية للدور الإماراتي في دعم الميليشيا، سواء بالإمداد العسكري أو الغطاء السياسي.
التحالف السوداني–السعودي بين الأمن والسياسة
تعكس الخطوة رغبة الجيش السوداني في تأمين شريك إقليمي يعزز قدراته على مواجهة ميليشيا الدعم السريع، وتثبيت “شرعية الدولة” في مقابل مشروع التفكيك الذي تدعمه الإمارات. بينما تصف السعودية مبادراتها بأنها تهدف إلى السلام واستقرار السودان ووحدته، فإن الخرطوم تراها فرصة لتعزيز موقفها التفاوضي في أي مسار سلام محتمل، في وقت تعجز فيه عن تشكيل مشروع وطني جامع.
تصعيد مليشيا الدعم السريع: المجازر والحصار
تصاعد العنف لم يتوقف، إذ استهدفت ميليشيا الدعم السريع، سوق مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، ما أسفر عن مقتل سبعة أشخاص بينهم ثلاثة أطفال وامرأتان، وإصابة 32 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال. الهجوم، الذي نفذ بطائرات مسيرة، يأتي في سياق الحصار المستمر على مدن كادوقلي والدلنج، حيث تعاني السكان نقصًا حادًا في الغذاء والدواء، وسط عجز شبه كامل للمنظمات الإنسانية.
كما تواجه مدينة الأُبَيّض في شمال كردفان خطر حصار جديد، وسط مؤشرات على إقامة “طوق ترابي” على الطرق المؤدية للخارج، ما قد يعيد سيناريو المجاعة والنزوح الجماعي.
دارفور وشمال السودان: نزيف مستمر
ولاية شمال دارفور شهدت مقتل أكثر من 103 مدنيين وإصابة 88 آخرين، وحرق قرى ونزوح أكثر من 18 ألف أسرة، نتيجة هجمات ميليشيا الدعم السريع على مناطق حدودية مع تشاد، بما فيها أمبرو والطينة وكرنوي. معارك الإقليم أدت إلى سيطرة الدعم السريع على مراكز دارفور الخمس، بينما يسيطر الجيش على معظم ولايات البلاد الأخرى.
تحذيرات الأمم المتحدة
حذر المفوض السامي لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، فولكر تورك، من تكرار الفظائع التي شهدتها الفاشر، مؤكدًا أن العنف الجنسي يُستخدم كسلاح حرب في السودان.
وأشار إلى الهجمات على البنية التحتية الحيوية، بما في ذلك سد مروي ومحطات توليد الكهرباء، والتي أدت إلى انقطاع الكهرباء عن المستشفيات، وعرقلة ري المحاصيل، وانعدام المياه النظيفة، محذرًا من استمرار المجاعة في مناطق كادوقلي وخطر امتدادها.
تداعيات إقليمية: تشاد تحذر
امتدت آثار الحرب إلى خارج الحدود، إذ أعلنت حكومة تشاد مقتل سبعة من جنودها وإصابة آخرين إثر هجوم ميليشيا الدعم السريع داخل أراضيها، في حادث وصفته نجامينا بـ”انتهاك صريح ومتكرر لسيادة الدولة”. التحذير التشادي الأخير يضع المنطقة أمام واقع خطر، حيث تتحول الحدود إلى ساحات اشتباك، فيما تتزايد موجات النزوح والضغط الإنساني على دول الجوار.
الإمارات.. وقود الحرب
الدور الإماراتي في دعم ميليشيا الدعم السريع سياسيًا ولوجستيًا، بما في ذلك تمويلها بالطائرات المسيّرة والتقنيات العسكرية، ساهم في استمرار الحرب وتصعيدها، ما أدى إلى آلاف القتلى والنزوح الجماعي، بينما المدنيون يدفعون وحدهم الثمن.

