محمود الرنتيسي

باحث وكاتب فلسطيني

 

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في اجتماع مع قادة مسيحيين إنجيليين في فلوريدا في نهاية ديسمبر الماضي، إن هناك جبهة إضافية ثامنة تلوح في الأفق في الغرب بعد "انتصار إسرائيل من نواحٍ عديدة" في حروب على سبع جبهات من وجهة نظره.

 

ووصف نتنياهو الجبهة الثامنة بأنها جبهة الصراع من أجل "عقول وقلوب الناس"، وخاصة الشباب في الغرب وفي الولايات المتحدة، معتبرا أن هذه المعركة ليست معركة إسرائيل فحسب، بل هي معركة أوسع نطاقا، وهي ما أسماها معركة "حضارتنا اليهودية المسيحية المشتركة"، وأضاف نتنياهو أن الدين يجب أن يعلن عن نفسه في هذه المعركة، وأن يواجه الإرهاب والذي حدده بقوتين هما الإسلام الشيعي المتطرف بقيادة إيران، والإسلام السني المتطرف بقيادة جماعة الإخوان المسلمين.

 

وأكد نتنياهو أن هذه الجبهة الأيديولوجية تتطلب نفس العزيمة التي يتطلبها العمل العسكري، وفي ذات السياق ذكر نتنياهو بالرابط بين الصهاينة المسيحيين والصهيونية اليهودية، مشيدا بالدعم المسيحي الأميركي الذي اعتبره أساسيا لإعادة تأسيس الدولة اليهودية.

 

سوء استخدام القوة الناعمة

 

من المعروف أن تعبير "كسب العقول والقلوب" الذي ردده نتنياهو هو لجوزيف ناي البروفيسور الأميركي الذي يعتبر أول من استخدم مفهوم القوة الناعمة، والأب الأبرز لمفهوم القوة الناعمة في العلاقات الدولية، والذي جمع بين التنظير الأكاديمي والممارسة العملية للسياسة الخارجية.

 

وقد قال ناي إن "كسب القلوب والعقول" ليس مجرد شعارات إعلامية، بل هو نتاج تراكم طويل لسياسات موثوقة، واحترام للقانون الدولي وحقوق الإنسان، وممارسات تجعل الآخرين يرون فيك نموذجا يحتذى، لا مجرد طرف قوي يحاول تبرير عنفه.

 

وبالتالي ووفق دراسات القوة الناعمة فإن ما قام به نتنياهو هو وصفة سيئة لاستخدام القوة الناعمة لا تؤدي إلا إلى نتائج عكسية فإضافة إلى كون نتنياهو مرتكب الإبادة الجماعية مطلوبا للعدالة الدولية فقد بدأ باستجداء فوقي لجمهور محدد وبنبرة دينية تعبوية، وهو ما تحذر منه أدبيات القوة الناعمة التي تهدف لكسب العقول والقلوب.

 

وقد حذر ناي من تحويل مقاربة القوة الناعمة من المصداقية والقيم والثقافة إلى الدعاية الفظة أو الخطاب الاستعلائي أو الديني التعبوي وفي رأيه ينتج هذا النوع من الاستخدام أثرا عكسيا.

 

يقوم جوهر القوة الناعمة على المصداقية والقيم، وليس التلاعب وشن حرب دعائية عبر شركاء من جماعات دينية، ولذلك من المحتمل أن يعاني نتنياهو مما يسمى "مفهوم الارتداد"، وهو أحد المفاهيم التي تناقش في سياق أدبيات القوة الناعمة والتي تشير لحدوث ردة فعل عكسية عندما يتم استهداف فئة معينة بادعاءات غير متماسكة ومتناقضة وبأدلة يتم كشف زيفها لاحقا.

 

احتقار الذكاء والذاكرة

 

مرة أخرى من خلال هذا الخطاب أمام الشخصيات الإنجيلية لا يحترم نتنياهو عقول الجمهور المستهدف والمستمعين، ويريد أن يغسل عقولهم من تبعات حرب الإبادة.

 

وفي هذا السياق فإنه حتى أولئك الذين ينتقدهم ناي كانوا ممن استخدموا القوة ثم حاولوا تجميلها بخطاب تبريري ناعم وليس في حالة كارثية مثل حالة نتنياهو التي ارتكبت فيها دولة الاحتلال الإسرائيلي إبادة جماعية قتلت خلالها عشرات الآلاف من المدنيين أغلبهم من النساء والأطفال.

 

ولما سبق نحن أمام حالة صلف وتعجرف تتجاوز التناقض بين الخطاب القيمي والممارسة على الأرض والذي يخدم الخصوم أكثر مما يخدم صاحب الخطاب، ولهذا فإن ما يقوم به نتنياهو يتعدى ما يسمى سوء استخدام القوة الناعمة التقليدي إلى استهداف متعجرف لفئة مستهدفة بهدف تضليلها لكسب عقولها وقلوبها، وهنا تعامل مع الشباب تحديدا كأنهم جمهور يسهل التلاعب به كي ينسى الضحايا وينسى الجرائم.

 

وبهذا يغفل نتنياهو بهذا السلوك المشين ميزة خاصة أخرى لدى الجيل الجديد، وهي الحساسية العالية لقضايا العدالة والتمييز، وهو ما أشار إليه الكثير من استطلاعات الرأي.

 

رسالة ضعف وعنصرية

 

لن نخوض في ادعاء نتنياهو، الذي بدا متواضعا، على "النواحي العديدة" التي زعم الانتصار فيها على سبع جبهات، ولكن ما ظهر جليا هو إقرار بالفشل والضعف في المعركة الأخلاقية ومعركة الرأي العام الدولي، ومعركة الجيل الجديد في الغرب، وخاصة في الولايات المتحدة.

 

وفي سياق المعالجة كان واضحا تركيز نتنياهو على هذه الهرمية. ووضع شباب الولايات المتحدة والغرب كهدف لحملته، هو إقصاء وتهميش ضمني رمزي لشباب الجنوب العالمي والشرق. وهو يفترض أن الجمهور الحاسم هو الجمهور الغربي الأبيض المسيحي، وبالتالي يعتبر نتنياهو العالم الحقيقي هو العالم الغربي، أما بقية العالم فهو يتعامل معه كجمهور تابع يمكن التحكم فيه.

 

رسالة استمرار في الظلم

 

لم يبدِ نتنياهو أي نية للتراجع عن الظلم التاريخي، أو بادرة ندم على قتل النساء والأطفال في غزة، بل على العكس بدلا من ذلك، اتجه إلى قضايا مثل شراء ذمم بعض الناشطين في الغرب؛ لتسويق السردية الإسرائيلية المتدهورة، كما حصل في زيارته السابقة واشنطن، كما عمد إلى البروباغندا وتحشيد البعد الديني المسيحي الإنجيلي في مواجهة الشباب؛ للتلاعب بأفكارهم ومواقفهم.

 

وفي هذا الصدد، قال مايك إيفانز- مؤسس مركز أصدقاء تراث صهيون، الذي استضاف هذا التجمع الذي جمع شخصيات إنجيلية بارزة، من بينهم جوناثان فالويل من كنيسة توماس رود المعمدانية، ودوندي كوستين، وتوماس هيث، وجاي ستراك مع بنيامين نتنياهو- إن لديه خططا لتوسيع نطاق التعاون الإنجيلي مع إسرائيل، مشيرا إلى أنه اصطحب مؤخرا ألف قس أميركي إلى إسرائيل للعمل كسفراء لمنظمة "أصدقاء صهيون". وأضاف أنه من المتوقع أن يزور إسرائيل العام المقبل ثلاثة آلاف قس، وألف طالب جامعي أميركي.

 

وهم النجاح

 

عمليا ضخت دولة الاحتلال الإسرائيلي 730 مليون دولار في ميزانية 2026 لحملات الدبلوماسية العامة لإنتاج محتوى عاطفي مؤثر لصالح إسرائيل، ولكن رغم ذلك تصطدم هذه الجهود بمحتوى موثق ومرئي من الإجرام الذي لا يمكن تجميله.

 

صحيح أننا أمام محاولة مفضوحة ومكشوفة للتلاعب من مجرم بعقول جيل شاب عالمي يمتلك أدوات كثيرة منها أدوات رقمية وغير رقمية، ولكن لا ينبغي التقليل من الدعاية المستمرة حتى لو كانت مفضوحة ومكشوفة، وبالتالي لا بد من الاستمرار في كشف هذا التلاعب وأساليبه، وإعادة نشر كل مقاطع الجرائم والمجازر الموثقة في غزة للضحايا والانتهاكات، مما يفكك خطاب نتنياهو.

 

لا بد من محاسبة نتنياهو على إهانته الشباب، وخاصة الشباب في الغرب. وباختصار يجب تحويل كل محاولة لتنظيف صورة دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى لحظة مضادة لها من خلال إعادة نشر جرائمها والمطالبة بمحاسبتها.

 

يمتلك الفلسطينيون ومناصروهم في كل أنحاء العالم شرعية أخلاقية عالية ويمكنهم التحالف مع شباب العالم، وهم أولى باستمرار استخدام أدوات القوة الناعمة وحشد كل الجهود والمزيد من المتضامنين على المستوى العالمي، ليس لإثبات أن الشباب أذكى من محاولات التضليل ومحو الذاكرة فحسب، بل للقيام بدور أكثر فاعلية في مواجهة الظلم والإجرام المتعجرف.