السنوسي بسيكري

رئيس المركز الليبي للدراسات

 

"أم بسيسي" قصة يعرفها الكبار منا، بدايتها بفأر وطائر السنونو، ويدخل فيها أطراف أخرى، فتطول القصة، حتى لا تكاد تنتهي، وكذا موضوعاتنا اليوم وقضايانا المعقدة ومنها المصالحة الوطنية، والتي تتقاذفها النزاعات والصراعات وتتعدد فيها الرؤى والمبادرات، حتى طال سلكها والتف حول نفسه فصار كومة يصعب حلها.

 

الجديد في المصالحة هو تكليف الدكتور علي الصلابي مستشارا للمصالحة الوطنية في المجلس الرئاسي، باعتبار أن الأخير هو المعني بالمصالحة وفق الاتفاقات السياسية التي تشكل المشهد السياسي الرسمي اليوم.

 

وكما كان متوقعا، ثار جدل حول تعيين الصلابي بهذا المنصب، والبداية كانت من أعضاء بالمجلس الرئاسي، ومن بعد ذلك جمهرة من النشطاء، وكثير ممن هم أقل منهم حضورا أو تأثيرا في المشهد.

 

الاعتراض الأبرز هو أن الصلابي "إخواني"، وبالتالي لا يمكن أن يكون متدخلا في هذا الملف، أو طرفا فيه، ولو بصفة مستشار، وهذا التصنيف مقلق لفئة من النشطاء وحتى من عموم الناس، بمعنى أن تخوفهم حقيقي لما تكوَّن في مخيالهم من صورة سلبية عن الإخوان المسلمين، غير أن هناك "توظيفا" لهذا المسمى بشكل كبير من قبل قلة مؤدلجة دعما لتوجهاتهم الفكرية وحتى السياسية، ومن شريحة أكثر منهم ولا علاقة لهم بالأيدولوجيات ولا  الفكر، وإنما هم أصحاب مصالح يقفون في المشهد حيث تقف بهم مصالحهم.

 

الإشكال الرئيسي في واقعنا البائس هو غياب التقييم الموضوعي للأحداث والوقائع والأشخاص، فأنا لم أقرأ أو أستمع إلى تقييم لأهلية الدكتور الصلابي للعب دور إيجابي من عدمه في ملف المصالحة، إلا نسبته إلى الإخوان.

 

الحقيقة المرة هي أن الإخوان المسلمين كبار ومهيمنون ومتحكمون في قواعد اللعبة السياسية، على الأقل في الغرب الليبي، بناء على سيناريو مرسوم من قبل فواعل فكرية وسياسية للترهيب وتمرير التوجهات والخيارات، فكرية أو سياسية، وإلا فأين هم الإخوان في الفكر والسياسة اليوم؟!

 

قامت الدنيا في ليبيا ولم تقعد خلال العقد الماضي، والإخوان في خلافات ونزاعات، فلا الجسم التربوي والدعوي حاضر ومؤثر ويقوم بما ينبغي أن تقوم جماعة من نصح ودعوة وإرشاد، ومعلوم من التيار الديني الأكثر حضورا في الشارع الليبي، ولا هم حاضرون في السياسة عبر حزب فاعل ونشط يسهم في صناعة المشهد السياسي، وقد انتهى حزب العدالة والبناء إلى ضعف وانزواء، خاصة بعد خروج قيادات بارزة منه وتشكيلهم الحزب الديمقراطي، والمبرزون من الإخوان من سياسيين ومشائخ معظمهم تركوا وانشغلوا بأعمالهم وأنشطتهم الخاصة، ولكل أسبابه ودوافعه للترك. هذا واقع، وخلاف ذلك إما نفخة زائفة أو تضليل متعمد، وما ذكرته ليست مسبة ولا قدحا، ويعلم الله أن من بين من ينتسبون للإخوان عباد لله صالحون.

 

الدكتور علي الصلابي لمن لا يعرفه، ليس رجل تنظيم ولا جماعة ولا حزب، حتى وأن اقترب من أحدهما، فهو أكبر من الجماعة والحزب، قبل 2011م وبعدها، وعصي عن التطويع، والاعتقاد بأنه يمكن أن يحتوى أو يوجه من تنظيم واهن أو حزب خائر القوى هو جهل أو تضليل متعمد.

 

الصلابي رجل "فردي" ويتحرك بمنطلقاته الخاصة، وخياراته الذاتية، وله بصمة إيجابية في ملفات عدة، إلا أن له العديد من الاختيارات لم تكن صائبة ولا موفقة، قوته في صلته القوية بالقرآن الكريم، ونقطة ضعفه الأساسية هي ميله للسياسة، فهو إن انغمس في القرآن أشرق وأثر، وإن انكفأ إلى السياسية اضطرب وتعثر، وما تزال معادلة الجمع بين الإثنين عنده غير متزنة، وربما هذا ما يفسر المنحى المرتفع تارة والمنخفض ترة أخرى في مسيرة حياته، خاصة ما بعد العام 2011م.

 

حضوره الكبير والاحترام والتقدير في الخارج يرجع إلى أن مقاربته ليست سياسية بل دينية "قرآنية"، ولأن الغالب على ظهوره في المشهد الليبي من البوابة السياسية، فهو أقل تقديرا، ولو قُدر أن تكون إطلالته على الحالة الليبية كما هو مدخله على الخارج لكان له شان وتأثير كبير.

 

خرافة أم بسيسي لم تصل محطتها النهائية "الحداده"، وستظل المصالحة معلقة لأننا مازلنا عالقين بمشاربنا ونوازعنا ومصالحنا وقلة وعينا وسوء تقديرنا، وعندما نتخلص من العوائق سيلوح لنا بر الأمان وستجد سفينتنا، التي تتقاذفها أمواج النزاع، مرفأها فترسو بسلام.