في تطور جديد يكرس اتساع نفوذ الأجهزة الأمنية والعسكرية داخل المجال الإعلامي، شهدت الأيام الأخيرة خطوات متزامنة من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ومجلس الشيوخ، تقيد بشكل غير مسبوق التغطية الصحفية لأعمال البرلمان، وتُحكم السيطرة على حركة الصحفيين داخل أروقته. قرارات إغلاق اجتماعات اللجان، وتقليص أعداد الصحفيين المعتمدين، ووقف التصاريح المؤقتة، تأتي في لحظة تحتل فيها مصر المرتبة 170 من أصل 180 دولة على مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2025، ما ينذر بمزيد من الهبوط في مناخ الحريات الإعلامية، ويكشف عن نموذج برلمان يُراد له أن يعمل في الظل، بعيدًا عن أعين الرأي العام.

 

أحمد الغنام.. بوابة نفوذ المؤسسة العسكرية إلى تنظيم الإعلام

 

اجتماع لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشيوخ، الذي استمر نحو ثلاث ساعات خلف الأبواب المغلقة، لمناقشة ما سُمي «تطوير الإعلام المصري»، لم يكن اجتماعًا عاديًا؛ فقد حضره رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام خالد عبد العزيز، وإلى جواره الأمين العام الجديد للمجلس أحمد الغنام، شقيق العقيد بهاء الدين الغنام، المدير التنفيذي لجهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» التابع للقوات الجوية، الذي توسع في السنوات الأخيرة في قطاعات اقتصادية حيوية بدعم مباشر من رئاسة الجمهورية.

 

تعيين أحمد الغنام أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للإعلام جاء خلفًا للمستشار محمود عتمان، الذي أُجبر على الاستقالة في أكتوبر الماضي، رغم أن الغنام لا يمتلك أي خبرة برلمانية تُذكر؛ إذ عمل في هيئة قضايا الدولة، ثم جرى انتدابه إلى وزارة الدفاع بتوصية من شقيقه. هذه الخلفية تجعل من منصبه الجديد أكثر من مجرد موقع إداري؛ فهو حلقة إضافية في سلاسل تشابك أجهزة الجيش والأمن مع مفاصل تنظيم الإعلام، ليصبح المجلس الأعلى، المفترض أنه «منظم مستقل»، أقرب إلى ذراع مدنية لمشروع الهيمنة العسكرية على الفضاء الإعلامي.

 

في هذا السياق، تبدو قرارات الغنام اللاحقة امتدادًا طبيعيًا لخلفيته وموقعه داخل شبكة النفوذ، أكثر مما تبدو استجابة لمتطلبات «تطوير الإعلام» أو حماية المصلحة العامة.

 

اللوائح كسلاح: إغلاق اللجان وتقليص الصحفيين وتحويل البرلمان إلى منطقة معتمة

 

مع بداية الفصل التشريعي الجديد، لم ينتظر أحمد الغنام كثيرًا؛ إذ أصدر تعليمات فورية بإغلاق اجتماعات اللجان النوعية أمام الصحفيين، مستندًا إلى المادة 71 من لائحة مجلس الشيوخ، التي تتيح منع حضور الإعلام إلا بإذن من رئيس المجلس. نص تنظيمي كان يفترض أن يُستخدم في نطاق ضيق لحالات استثنائية، تحول بقرار إداري إلى أداة منهجية لتكميم التغطية الصحفية، وإخراج أعمال اللجان – وهي قلب العمل البرلماني الحقيقي – من دائرة المساءلة العلنية.

 

مصدر مطلع في الأمانة العامة لمجلس الشيوخ كشف أن التوجيهات لم تتوقف عند إغلاق الاجتماعات، بل امتدت إلى وقف إصدار التصاريح المؤقتة لوسائل الإعلام، وقصر التغطية على الصحفيين المعتمدين فقط، مع تقليص عددهم إلى أقل من 30 صحفيًا لجميع الصحف والمواقع والقنوات العاملة في البلاد، في سابقة غير معهودة. بهذا القرار، يتحول الحضور الصحفي من حق مهني مرتبط بطبيعة البرلمان كمؤسسة تمثيلية، إلى «امتياز محدود» تمنحه الإدارة لمن تختارهم فقط.

 

عقب اجتماع اللجنة، عقد رئيس مجلس الشيوخ عصام الدين فريد اجتماعًا مغلقًا مع رئيس المجلس الأعلى للإعلام، بحضور رئيس لجنة الثقافة والإعلام، تحت عنوان مناقشة «تعزيز دور الإعلام الوطني». لكن ما غاب تمامًا عن النقاش – وفق ما تسرب – هو واحد من أهم الاستحقاقات الدستورية المؤجلة منذ 2014: قانون حرية تداول المعلومات. القانون الذي طالبت به نقابة الصحفيين مرارًا، بوصفه الأداة الحقيقية لمواجهة الشائعات عبر الشفافية، لا عبر الحجب والعقاب، ظل خارج جدول الأعمال، في مفارقة تعكس الفجوة بين الشعارات والواقع.

 

تعميق قبضة العسكر على الإعلام.. وتثبيت نموذج الحصار البرلماني

 

مجمل القرارات والإشارات الأخيرة تحمل دلالات أبعد من مجرد تنظيم لحضور الصحفيين داخل مجلس الشيوخ.

 

تعميق نفوذ الأجهزة المرتبطة بالمؤسسة العسكرية داخل منظومة تنظيم الإعلام

 

وجود شخصية مثل أحمد الغنام في موقع الأمين العام للمجلس الأعلى للإعلام، مع ارتباطه المؤسسي والعائلي بمشروعات خاضعة لإشراف القوات الجوية، يعكس انتقالًا واضحًا من التأثير غير المباشر إلى الإمساك المباشر بمفاتيح تنظيم المجال الإعلامي، من داخل البرلمان ومن خارجه.

 

استخدام اللوائح البرلمانية كغطاء قانوني لتقييد العمل الصحفي

 

المادة 71 من لائحة مجلس الشيوخ تحولت بقرار إداري إلى سلاح جاهز لحرمان الصحافة من الوصول إلى أعمال اللجان. بدلاً من تعديل النص بما يضمن علنية أكبر، أو وضع ضوابط لاستخدامه، تم استغلاله لتكريس السرية، وقطع شريان المعلومات الرئيسي عن النقاشات التشريعية والرقابية.

 

إحكام السيطرة على التغطية البرلمانية عبر تقليص عدد الصحفيين المعتمدين

 

تقليص عدد الصحفيين إلى أقل من 30 لكل وسائل الإعلام يعني عمليًا احتكار التغطية في يد مجموعة صغيرة قد تخضع أكثر للضغوط أو الرقابة، وإضعاف قدرة الصحف المستقلة أو الصغيرة على الوصول إلى مصادر مباشرة، ما يغلق الباب أمام تعددية حقيقية في معالجة الشأن البرلماني.

 

استمرار تجاهل قانون حرية تداول المعلومات رغم كونه استحقاقًا دستوريًا

 

غياب أي نقاش جدي حول القانون، رغم مرور أكثر من عقد على إقراره في الدستور، يكرس سياسة تقوم على حجب المعلومات وتجريم النشر، بدل إشاعة الشفافية والمسؤولية. هذه السياسة لم تقلل الشائعات، بل عمّقت أزمة الثقة بين الدولة والإعلام والجمهور.

 

تمهيد محتمل لتعميم القيود نفسها داخل مجلس النواب

 

ما يُجرَّب الآن في مجلس الشيوخ يمكن أن يتحول بسهولة إلى نموذج يُعمَّم داخل مجلس النواب، بما يوسع نطاق الحصار المفروض على الصحافة، ويحصر صورة البرلمان لدى المواطنين بما تبثه البيانات الرسمية لا بما يرصدّه الصحفيون المستقلون.

 

في بلد تتراجع فيه مؤشرات حرية الصحافة إلى ترتيب 170 من 180، تشكل هذه الخطوات حلقة جديدة في مسار متصاعد من التضييق، لا يكتفي بالسيطرة على القنوات والصحف، بل يمتد اليوم إلى البنية الدستورية والبرلمانية نفسها. ما ينتج في النهاية برلمانًا يعمل خلف جدران مغلقة، وإعلامًا يرى بعين السلطة فقط، ومجتمعًا يُطلب منه أن يثق في مؤسسات لا يعرف كيف تعمل ولا ماذا تناقش باسمه.