بدأَت توقعات السوق تسبق اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المقرر 2 أبريل، وسط ترجيحات بتثبيت أسعار الفائدة والاستمرار في مسار التشديد عبر “التريّث”. محمد عبد العال، عضو مجلس إدارة البنك المصري الخليجي، قال إن التثبيت الأقرب لأن التضخم مرشح للارتفاع خلال الفترة المقبلة، خصوصًا مع موجة الغلاء المرتبطة بقرارات الوقود. المعادلة هنا بسيطة. الحكومة ترفع تكاليف الحياة. ثم تترك المركزي يواجه النتائج وحده، ويُطلب من الناس دفع الفاتورة مرتين.
عبد العال ربط التثبيت بقراءة تضخم مارس بعد زيادة أسعار الوقود بنسب تتراوح بين 14% و17%، بما يرفع تكاليف الإنتاج والنقل لقطاعات واسعة. التأثير لا يظل داخل محطات البنزين. بل يمتد لكل سعر على الرف. ثم يُقال إن المركزي “يراقب” قبل أي خطوة جديدة، وكأن الدولة ليست هي من أطلق الشرارة أولًا.
تضخم الوقود يفرض على المركزي التجميد.. لكن من يدفع ثمن التجميد؟
عبد العال توقع أن تدفع هذه التطورات التضخم العام والأساسي للارتفاع بنحو 2% إلى 3%. هذا يضع المركزي في زاوية ضيقة. رفع الفائدة يضغط على الاستثمار والائتمان. وخفضها قد يغذي الأسعار. والتثبيت يُبقي كلفة التمويل خانقة. البنك المركزي نفسه يعلن مستهدف تضخم 7% زائد أو ناقص 2 نقطة في الربع الرابع من 2026، لكنه يقر في بياناته بوجود مخاطر وصدمات خارجية قد تعيد التسعير للواجهة.
الدكتورة عالية المهدي، أستاذ الاقتصاد وعميد اقتصاد وعلوم سياسية سابقًا، قالت إن سعر الفائدة الحقيقي في مصر من الأعلى عالميًا، وإن استمرار هذا المستوى يجمّد النشاط ويضغط على الإنتاج. كلامها كان مباشرًا. حين تصبح الفائدة “حلًا دائمًا”، يتحول الاقتصاد إلى رهينة خدمة الدين بدل خلق الوظائف.
الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، قدّم زاوية مالية صريحة: كل خفض 1% في سعر الفائدة يمكن أن يوفر نحو 80 مليار جنيه من أعباء خدمة الدين بالموازنة، أي أن الفائدة ليست مجرد رقم بنكي، بل بند يبتلع موارد الدولة ويزاحم الإنفاق العام. السؤال السياسي هنا: لماذا تُدار الأزمة بقرارات ترفع الأسعار ثم تُقفل باب تخفيف الفائدة بحجة التضخم الذي صنعته نفس القرارات؟
حرب الإقليم وسلاسل الإمداد.. “عدم يقين” جاهز لتبرير كل شيء
عبد العال أشار إلى حالة عدم اليقين المرتبطة بالحرب والتوترات الإقليمية واضطرابات سلاسل الإمداد، مع ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين. هذا يضيف ضغطًا على الأسعار المحلية. لكن تحويل “الخارج” إلى شماعة كاملة صار نمطًا ثابتًا. كل أزمة خارجية تُستخدم لتبرير تأجيل الإصلاح الداخلي الحقيقي، من كفاءة الإنفاق إلى شفافية الدين، ومن سياسات الاستيراد إلى دعم الإنتاج المحلي بدل التوسع في الجباية.
الخبير الاقتصادي هاني توفيق وصف في تعليقات سابقة انحياز قرارات الفائدة المحدودة إلى “نبض المودعين” وجاذبية الأموال الساخنة، واعتبر أنها تؤجل علاج تضخم أعباء الدين العام وعجز الموازنة. المعنى واضح: الدولة تسترضي تدفقات قصيرة الأجل، ثم تُحمّل تكلفة هذا الخيار على الاقتصاد الحقيقي والناس.
في نفس السياق، يرى عبد العال أن سعر صرف الجنيه ما زال تحت ضغط بسبب خروج بعض الاستثمارات الأجنبية، لكنه قال إن وتيرة الخروج ليست سريعة. هذه صياغة مطمئنة، لكنها تحمل اعترافًا ضمنيًا بأن الاستقرار هش. تجربة “الأموال الساخنة” لا تحتاج شرحًا. تدخل بسرعة. وتخرج أسرع. وتترك العملة والسوق في حالة شد وجذب على حساب الأجور والمدخرات.
الدكتورة سالي صلاح، التي تكتب وتوثّق بالأرقام عن الدين وأثره على السياسات الاقتصادية، تتحدث عن “حلقة ديون” وبيع أصول كمسار يغذي الاعتماد على التمويل القصير بدل بناء قدرة إنتاجية مستقرة. هذا المنطق يفسر لماذا تتحول الفائدة والدين إلى أداة يومية لإدارة الدولة، لا مجرد سياسات ظرفية.
أدوات الدين قصيرة الأجل.. الحكومة ترفض تثبيت تكلفة مرتفعة وتترك المستقبل معلّقًا
عبد العال قال إن توجه المستثمرين الأجانب نحو أدوات الدين قصيرة الأجل لا يمثل تحولًا استراتيجيًا، بل تعاملًا مع ظروف ترفع التضخم وتفتح احتمال زيادات فائدة لاحقًا. المعنى العملي أن المستثمر يبحث عن باب خروج قريب. لا التزام طويل. لا ثقة كاملة. وهذا ينعكس مباشرة على منحنى العائد وعلى قدرة الحكومة على تمويل أطول بأقل تكلفة.
وفسّر عبد العال إحجام الحكومة عن بيع بعض السندات طويلة الأجل بأنه ليس ضعفًا في السوق، بل رغبة في عدم تثبيت تكلفة دين مرتفعة لسنوات طويلة. هذا اعتراف آخر. الحكومة ترى أن الفائدة الحالية مكلفة لدرجة تجعلها تتجنب “ربط نفسها” بها طويلًا. لكنها في المقابل تُكثّف الاعتماد على القصير. فتدخل في دوامة إعادة تمويل مستمرة، وتبقى رهينة عطاءات أسبوعية وقلق دائم من شهية المستثمرين.
الأرقام المعلنة في سوق السندات توضح الصورة بلا تجميل. البنك المركزي طرح نيابة عن وزارة المالية عطاء سندات خزانة لأجل عامين وثلاثة أعوام بإجمالي 35 مليار جنيه. العروض على أجل العامين وصلت إلى نحو 13.3175 مليار جنيه، بينما رفض بيع سندات 3 سنوات بقيمة 25 مليار جنيه في العطاء ذاته، بحسب تغطيات اقتصادية. هذه ليست “تفصيلة فنية”. هذا إنذار على تكلفة الاقتراض وثقة السوق في الآجال الأطول.
ومع صعوبات تحقيق مستهدفات الطرح خلال الفترة الماضية، زادت مطالب المستثمرين بعوائد أعلى بسبب توترات الإقليم. النتيجة أن الإقبال على السندات والصكوك المحلية الأطول يضعف، بينما تتكدس الضغوط على أدوات أقصر. هذا يعيد إنتاج نفس الأزمة: تمويل قصير، بتكلفة عالية، مع اقتصاد يتلقى صدمات أسعار من الوقود والشحن والعملة.
الخلاصة التي يتهرب منها خطاب الحكومة واضحة. تثبيت الفائدة في 2 أبريل، إن حدث، لن يكون “قرارًا تقنيًا” فقط. سيكون استمرارًا لنهج إدارة الأزمة بالمسكنات. رفع الوقود يرفع التضخم. التضخم يمنع الخفض. الفائدة المرتفعة ترفع خدمة الدين. ثم تُطرح أدوات دين جديدة لتغطية الدين القديم. دائرة مغلقة. وفي المنتصف مواطن يدفع في السعر، ويدفع في الضريبة، ويدفع في خدمة دين لم يرَ منها خدمة.

