يمضي مسار تراجع معدلات المواليد في عدد من الدول العربية بوتيرة لافتة خلال السنوات الأخيرة، في ظاهرة تؤكدها الأرقام الرسمية وتقارير دولية، وتفتح في الوقت نفسه نقاشًا واسعًا بين المختصين حول مخاطر “الشيخوخة السكانية” من جهة، وحدود “الحداثة الديموغرافية” والاختيارات الفردية من جهة أخرى.

 

ففي السعودية مثلًا انخفض عدد المواليد من ٤٦٥ ألف مولود عام 2017 إلى 417 ألفًا عام 2022، بنسبة تراجع تجاوزت 10%، بينما تراجع معدل المواليد – وفق بيانات البنك الدولي – من 44 ولادة لكل ألف نسمة عام 1980 إلى 16 ولادة فقط عام 2023. وفي مصر أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في أغسطس 2025تسجيل مليون و998 ألف مولود بنهاية 2024، بتراجع 77ألف مولود عن 2023، وبنسبة انخفاض بلغت 3.8%.

 

أرقام من السعودية ومصر ولبنان وتونس: خريطة عربية للتراجع

 

الانخفاض لا يقتصر على دولتين؛ ففي لبنان سجّلت الفترة من 2020 إلى 2023 – بعد الأزمة الاقتصادية التي اندلعت عام 2019 – تراجعًا بنسبة 39.8%  في عدد المواليد، حيث بلغ العدد في هذه السنوات 271 ألفًا و913 مولودًا مقابل 354 ألفًا و866 مولودًا بين 2016 و2019 ، بحسب تقديرات نُقلت عن صحيفة “النهار” عام 2024.

 

أما تونس، فأعلن المعهد الوطني للإحصاء في تقرير صدر في سبتمبر 2025 عن انخفاض بنسبة 10% في عدد المواليد خلال 2024، ليتراجع العدد إلى 133 ألفًا و322 مولودًا مقابل 147 ألفًا و242 مولودًا عام 2023.

تقرير الأمم المتحدة للتوقعات السكانية العالمية، الصادر في 17 ديسمبر 2025 ، يرسم خريطة أوسع لمستويات الإنجاب في العام العربي؛ إذ تتصدر مصر القائمة بـ 2.45 مليون مولود في 2025، تليها اليمن بـ 1.40 مليون، ثم العراق بـ 1.18 مليون، والجزائر رابعًا بـ 855 ألف مولود. ويسجل المغرب 619 ألف مولود، وسوريا 601 ألفًا، والسعودية 564 ألفًا، والأردن 232 ألفًا، وتونس 160 ألفًا، وفلسطين 144 ألفًا، وليبيا 120 ألفًا، والإمارات 114 ألفًا، ولبنان 92 ألفًا، وسلطنة عُمان 90 ألفًا، بينما يبلغ عدد المواليد في الكويت نحو 48 ألفًا، وقطر 29 ألفًا، والبحرين 10 آلاف مولود فقط.

 

هذه المعطيات تظهر تراجعًا في المعدلات، لكن مع استمرار الأعداد الكلية مرتفعة في دول مثل مصر واليمن والعراق، ما يعقّد الصورة بين دول لا تزال في مرحلة “الانفجار السكاني” وأخرى تقترب من “الشيخوخة الديموغرافية”.

 

بين الحداثة والقلق من التهرم: قراءتان متباينتان للظاهرة

 

وزير الثقافة التونسي الأسبق وأستاذ علم الاجتماع د. مهدي مبروك يرى أن الأسباب متعددة ولا يمكن تعميمها، فـ“الحالة المصرية تختلف تمامًا عن نظيرتيها السعودية والتونسية”، لكنه يشير إلى اتجاه عام يُعرف في العلوم الاجتماعية باسم “التحولات الديموغرافية” التي بدأت في الستينات في الغرب وتعيشها اليوم المجتمعات العربية بأشكال وسياقات متباينة.

 

مبروك يربط جانبًا من الظاهرة بالحداثة وأنماط الحياة الجديدة؛ إذ يوضح أن الانتقال من العائلة الممتدة إلى العائلة الصغيرة والاكتفاء بعدد محدود من الأطفال يعكس شعورًا متزايدًا بما يسميه “ثقافة العبء العائلي”، حيث يُنظر إلى الإنجاب أحيانًا كعبء على سعادة الأفراد. ويضيف أن هناك توجهًا عالميًا للاكتفاء بالحد الأدنى من الأبناء، ليس فقط بسبب ضيق المال كما في مصر وتونس، بل أيضًا نتيجة وعي أكبر بأهمية جودة الرعاية النفسية والاجتماعية والذهنية للأطفال.

 

ويحذر مبروك من انتقال المجتمعات العربية من “الرفاهية الاجتماعية إلى الشيخوخة السكانية”، موضحًا أن تونس دخلت بالفعل عتبات الشيخوخة، بعد أن صار معدل إنجاب المرأة أقل من ٢٪، مسجلًا حاليًا نحو ١٫٨٪. ويتوقع أنه “في السنوات القادمة، ربما في مصر والسعودية، ستنتقل المجتمعات العربية من مرحلة الشباب السكاني إلى مرحلة الشيخوخة”، بما يحمله ذلك من آثار على سوق العمل والحياة الاجتماعية.

 

في المقابل، يقدم الخبير العربي والدولي في السكان والهجرة د. أيمن زهري قراءة أقل توجسًا؛ إذ يعتبر أن “الانخفاض في حد ذاته يعد أمرًا إيجابيًا وطبيعيًا في كل الدول العربية، لأنه يعكس قدرًا من الحداثة”. ويقول إن نمو الحضارة والفردانية يقلل الإقبال على الزواج والإنجاب، ويركّز اهتمام الزوجين على جودة التربية بدل عدد الأبناء، “وهذا ليس أمرًا سيئًا”. ويؤكد أن الظرف الاقتصادي – سوءًا كان أم تحسنًا – يمكن أن يقلل الإنجاب؛ فالرغبة في التمتع بالحياة الشخصية، أو في تنشئة عدد قليل من الأبناء تنشئة أفضل، تلعب دورًا لا يقل عن ضغوط المعيشة.

 

وعن مخاطر الشيخوخة، يراها زهري “أمرًا بعيد المدى يحتاج إلى ٣٠ عامًا حتى يظهر”، مشددًا على أن “الانخفاض الحالي طفيف جدًا ولا يؤثر على التركيبة السكانية إلا على المدى الطويل”، وأن الظاهرة “حصلت على زخم إعلامي أكبر مما تستحق علميًا”.

 

اقتصاد وسوق عمل بين فرصة إصلاح ومخاطر عجز في اليد العاملة

 

أستاذ الاقتصاد الدولي د. علي الإدريسي يضع الظاهرة في إطار اقتصادي أوسع، معتبرًا أن تراجع معدلات المواليد عربيًا “لم يعد حدثًا عارضًا، بل تحوّل ديموغرافي واضح يعكس تغيرًا عميقًا في السلوك الاقتصادي والاجتماعي للأسرة العربية”. وهو، برأيه، سلاح ذو حدين: تأثيراته الحالية محدودة نسبيًا، لكنه يحمل انعكاسات مستقبلية كبيرة على النمو وسوق العمل.

 

الإدريسي يرى في الجانب الإيجابي “فرصة لإعادة بناء الاقتصاد على أساس الإنتاجية والمعرفة والتكنولوجيا، وتخفيف الأعباء على خدمات التعليم والصحة، ورفع نصيب الفرد من الإنفاق العام”، فيما يتمثل الجانب السلبي في احتمال نقص العمالة مستقبلًا وارتفاع أعباء الإعالة والمعاشات والرعاية الصحية إذا تُرك المسار دون تخطيط. لذلك يؤكد أن “المستقبل ليس في تشجيع الإنجاب العددي المباشر، ولا في ترك المسار لقوى السوق وحدها، بل في إدارة ذكية ومتوازنة للتحول الديموغرافي”.

 

وهنا يعود د. مهدي مبروك ليقدّم ما يسميه “مسك العصا من الوسط”: ليس مع “إنجاب الكثير” الذي ينتج عائلات كبيرة تعجز عن رعاية أطفالها، ولا مع سياسات صارمة لتحديد النسل قد تقود إلى “تهرم سكاني حاد” وما يرافقه من عزلة كبار السن واستيراد مكثف لليد العاملة، بل مع مقاربة وسط تراعي قدرات كل مجتمع وموارده وتجنّبه في الوقت نفسه كلفة اجتماعية وإنسانية وقيمية باهظة في العقود المقبلة.