وضح إنجي أكرم في قراءة تحليلية لأزمة فواتير الكهرباء أن السؤال الأكثر تردّدًا في البيوت والمحلات وسيارات الأجرة لا يتعلق بالاستهلاك فقط، بل بتحولات اقتصادية عميقة تراكمت على مدار عقد كامل. تربط الكاتبة بين الفاتورة التي تصل إلى يد المواطن وبين سياسات دعم، وسعر صرف، وغاز، وإصلاحات مالية غيّرت شكل قطاع الطاقة في مصر جذريًا.


تشير إيجيبشن ستريتس إلى أن الكهرباء في مصر انتقلت خلال السنوات العشر الأخيرة من خدمة رخيصة لكنها غير مستقرة، إلى خدمة أكثر انتظامًا تعكس كلفتها الحقيقية في الإنتاج والنقل، وهو ما ظهر بوضوح في جداول التعرفة الجديدة المعمول بها منذ سبتمبر 2024.


ماذا تغيّر في الفاتورة؟

 

تعتمد مصر نظام الشرائح في تسعير الكهرباء، حيث يرتفع سعر الكيلوواط/ساعة مع زيادة الاستهلاك. رفعت الحكومة في أغسطس 2024 أسعار عدة شرائح دفعة واحدة، مع زيادات وصلت إلى 50% لبعض الفئات، ضمن خطة تدريجية لخفض الدعم والوفاء بالتزاماتها تجاه صندوق النقد الدولي. أدّى ذلك إلى نتيجتين واضحتين: انتقال كثير من الأسر إلى شرائح أعلى بسبب زيادة الأجهزة مثل المكيّفات، وارتفاع السعر داخل الشريحة نفسها مقارنة بالسنوات السابقة، ما جعل الاستهلاك نفسه ينتج فاتورة أكبر.

 

من انقطاعات الكهرباء إلى كلفة الإنتاج

 

قبل عشر سنوات، بدت الكهرباء رخيصة لكنها غير موثوقة. عاش المصريون في 2013 و2014 مع انقطاعات متكررة، بينما أنفقت الدولة مبالغ ضخمة على دعم الوقود والطاقة. بلغ دعم الوقود الأحفوري آنذاك نحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي. سعت الحكومة إلى إنهاء الأزمة عبر برنامج توسّع ضخم في الإنتاج، أبرز مظاهره محطات سيمنز العملاقة في بني سويف والبرلس والعاصمة الإدارية، التي أضافت 14.4 غيغاواط من القدرة الإنتاجية بحلول 2018. وفّرت هذه المشروعات كهرباء مستقرة، لكنها ربطت القطاع بتكلفة وقود أعلى واستثمارات ثقيلة.

 

صندوق النقد، الجنيه، والوقود

 

بدأ التحول الحاسم في 2016 مع اتفاق مصر على برنامج تمويل مع صندوق النقد بقيمة 12 مليار دولار. شمل البرنامج تعويم الجنيه وخفض دعم الطاقة تدريجيًا. هبطت قيمة الجنيه سريعًا، وارتفعت كلفة استيراد الوقود وقطع الغيار. اشترت الدولة الغاز والمستلزمات بسعر صرف حقيقي، ثم انعكس ذلك تدريجيًا على المستهلك فيما يسميه الاقتصاديون «تمرير التكلفة».


تفاقمت الضغوط مع جائحة كورونا ثم حرب أوكرانيا، حيث ارتفعت أسعار الطاقة عالميًا وتراجعت موارد النقد الأجنبي. شهد الجنيه تخفيضات متتالية في 2022 و2023 ومارس 2024، وفقد أكثر من ثلثي قيمته مقارنة بما قبل 2022. كل تراجع في العملة رفع تلقائيًا كلفة إنتاج الكهرباء، حتى لو ظل الاستهلاك ثابتًا.

 

يعتمد قطاع الكهرباء في مصر بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي، الذي يوفّر نحو 76% من الإنتاج. مع ارتفاع الطلب صيف 2024 وتراجع الإنتاج المحلي، واجهت الشبكة ضغوطًا حادة، ما دفع الحكومة إلى تطبيق تخفيف أحمال مؤقت. عادت مصر إلى استيراد الغاز المسال بكلفة دولارية مرتفعة لتجنّب انقطاعات أوسع، وأعلنت خططًا لاستيراد عشرات الشحنات خلال 2025 و2026.

 

كيف يشعر المواطن بكل ذلك؟

 

ترتبط فواتير الكهرباء بالتضخم اليومي. حين تدفع المصانع أكثر مقابل الطاقة، ترتفع كلفة الأسمنت والغذاء والتعبئة. حين ترتفع فواتير المخابز والمتاجر، ترتفع الأسعار على المستهلك. حتى مع تراجع معدل التضخم الرسمي إلى 12.3% في أواخر 2025، بقيت الأسعار عند مستويات مرتفعة. أسرة كانت تدفع نحو 400 جنيه شهريًا قبل سنوات قد تجد نفسها اليوم أمام فاتورة تقارب 700 جنيه للاستهلاك نفسه، بينما لا تلحق الأجور بهذه الوتيرة.

 

هل تقدّم الطاقة المتجددة حلًا؟

 

تمثل مشروعات الطاقة الشمسية مثل بنبان أملًا في تقليل الاعتماد على الغاز والدولار على المدى الطويل. غير أن مساهمتها الحالية ما زالت محدودة، لذا تظل الفاتورة مرتبطة بسعر الغاز وسعر الصرف وسياسة الدعم. وعدت الحكومة بعدم رفع التعرفة قبل يناير 2026، مع السعي لتأمين مزيد من الغاز وتسريع الاستثمار في الشمس والرياح.

 

في النهاية، لا تعبّر فاتورة الكهرباء عن استهلاك شهر واحد فقط، بل تختصر قصة عشر سنوات من الإصلاح الاقتصادي، وتقلبات العملة، وصفقات الغاز، ومحاولات بطيئة لفك الارتباط بين النور في البيت وسعر الدولار في السوق.

 

https://egyptianstreets.com/2026/01/12/why-are-electricity-bills-soaring-in-egypt/