في قرى ونجوع مصر، تُنتزع الطفولة من آلاف الفتيات كل عام تحت مسمى الزواج المبكر، في مشهد يعكس أزمة اجتماعية عميقة تتجاوز حدود الأسرة لتضرب بنية المجتمع كله.
فتيات لم يكتمل وعيهن النفسي أو الجسدي، ينتقلن مباشرة من مقاعد الدراسة إلى بيوت الزوجية، ليبدأن حياة مثقلة بأعباء نفسية وجسدية واجتماعية، كثيرًا ما تنتهي بالفشل أو المأساة.
ورغم أن القانون المصري حدد سن الزواج بـ18 عامًا، فإن زواج القاصرات ما زال مستمرًا عبر التحايل، من خلال عقود عرفية أو ما يُعرف بزواج الإشهار، على أن يُؤجل التوثيق الرسمي إلى ما بعد بلوغ السن القانونية.
بهذه الطريقة تدخل الفتاة علاقة زوجية بلا أي ضمانات قانونية، وبلا حقوق حقيقية إذا انهارت العلاقة أو أنكرها الزوج.
ولا تتوقف الكارثة عند الفتاة وحدها، بل تمتد إلى أطفال يولدون من هذه الزيجات غير الموثقة، ليصبحوا ضحايا لجرائم لم يرتكبوها.
أطفال بلا أوراق رسمية، وبلا نسب يُثبت تلقائيًا، وبلا حقوق في النفقة أو الميراث، في واقع يرسخ التهميش منذ لحظة الميلاد.
ورغم خطورة الظاهرة، تتجاهل حكومة الانقلاب هذه القضية المصيرية التي تهدد بتفكك المجتمع، مكتفية بترديد شعارات جوفاء بحثًا عن دعم خارجي، بينما تُترك آلاف الفتيات وأطفالهن لمصير قاسٍ داخل محاكم الأسرة وأروقة الفقر.
ثغرات القانون وزواج الإشهار: حين تغيب الدولة حتى تقع الكارثة
حول هذه الأزمة، تؤكد الدكتورة إلهام المهدي، المحامية، أن قانون الأحوال المدنية حظر توثيق زواج من هم دون 18 عامًا ووقّع جزاءات على المخالفين، لكنها تشير بوضوح إلى أن المشكلة لا تكمن في غياب النصوص، بل في قصورها.
فالقانون اكتفى لسنوات طويلة بمنع التوثيق دون تجريم الفعل نفسه، ما فتح الباب واسعًا أمام التحايل بزواج الإشهار أو الزواج العرفي، وتأجيل التوثيق إلى ما بعد بلوغ الفتاة السن القانونية.
هذا الفراغ التشريعي، بحسب المهدي، خلق واقعًا موازيًا للقانون، يُرتكب فيه الزواج فعليًا بينما تظل دولة العسكر غائبة، إلى أن تقع الكارثة.
أخطر نتائج هذا الواقع تطال الأطفال، الذين يولدون من زيجات غير موثقة، فيجدون أنفسهم بلا حماية قانونية.
فإذا توفي الزوج قبل توثيق العقد، تبدأ رحلة قضائية شاقة لإثبات النسب، تُجبر فيها الأم على رفع دعوى وإجراء تحليل DNA، قبل أن يتمكن الطفل من حمل اسم أبيه أو الحصول على أي حق قانوني.
وتشير المهدي إلى أن بعض الحالات تشهد ابتزازًا فجًا، إذ يرفض الزوج توثيق العقد بعد بلوغ السن القانونية، مطالبًا أسرة الفتاة بمبالغ طائلة مقابل التسجيل.
وقد وصلت هذه النزاعات في بعض القرى إلى القتل والثأر، كما حدث في قرية بالجيزة حين طالب الزوج نصف مليون جنيه لتوثيق الزواج، ورفضت الأسرة، لتتحول الأزمة إلى صراع دموي.
عنف نفسي صامت وأجيال مهددة: قراءة نفسية لزواج القاصرات
من زاوية الصحة النفسية، تؤكد استشاري الصحة النفسية والعلاقات الأسرية الدكتورة جيهان عبد الله أن زواج القاصرات يُعد أحد أخطر أشكال العنف غير المعلن ضد الفتيات.
فالطفلة تُنتزع فجأة من عالمها الطبيعي، وتُلقى في أدوار تفوق عمرها، ما يؤدي إلى فقدان الثقة بالنفس، والشعور بالعجز وعدم الأمان.
وتوضح أن الزواج المبكر يفرض على الفتاة مسؤوليات لا تتناسب مع وعيها أو نضجها النفسي، فتدخل حياة زوجية غير مستقرة، ومع أول فشل، تُترك وحدها في مواجهة مجتمع يُحمّل المرأة وحدها مسؤولية الانهيار.
كما يتقاطع هذا الزواج مع اضطرابات المراهقة، ومخاطر الحمل والولادة المبكرة، ما يُنتج أسرًا هشة وأطفالًا مضطربين نفسيًا وسلوكيًا.
ويؤكد أستاذ الطب النفسي الدكتور محمد المهدي أن الطفل الذي ينشأ في أسرة غير مستقرة نفسيًا، خاصة إذا كانت الأم نفسها طفلة سابقة لم تتعافَ من صدمتها، يكون أكثر عرضة للاكتئاب واضطرابات القلق واضطرابات التعلق.
ويرى أن المجتمع يدفع ثمن هذه الزيجات لاحقًا في صورة عنف أسري، وتسرب دراسي، وسلوكيات خطرة.
ويحذر استشاري الطب النفسي الدكتور جمال فرويز من أن زواج القاصرات يخلق “سلسلة ممتدة من الصدمات”، تبدأ بالفتاة ولا تنتهي عند الأطفال.
فالطفلة الزوجة تعيش قهرًا نفسيًا طويل الأمد، والأطفال ينشأون في بيئة مضطربة تفتقر إلى الأمان، ما يؤثر على تكوين شخصياتهم وقدرتهم على الاندماج السليم في المجتمع.
من جانبه، يوضح استشاري الطب النفسي الدكتور محمد طه أن أخطر ما في الظاهرة هو تطبيعها ثقافيًا، حيث يُقدَّم الزواج المبكر باعتباره “حلًا”، بينما هو في الحقيقة هروب من الفقر أو الخوف الاجتماعي على حساب الطفولة.
ويؤكد أن تغيير هذا الواقع لا يتم بالقوانين وحدها، بل بإعادة بناء الوعي الجمعي، وتمكين الفتيات نفسيًا وتعليميًا، وإعادة الاعتبار لدور المدرسة والخطاب الديني والإعلام.
خلاصة المشهد أن زواج القاصرات في مصر ليس مجرد مخالفة قانونية، بل جريمة اجتماعية ونفسية ممتدة، تُنتزع فيها الطفولة، وتُدمَّر فيها الأسر، ويُنتج فيها أطفال بلا حماية. ومع غياب ردع حقيقي، وتواطؤ ثقافي صامت، تتحول المأساة إلى واقع يومي داخل القرى والنجوع.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذا الوضع يهدد بتكريس دائرة مغلقة من الفقر والعنف والاضطراب النفسي، ما لم تُواجه الظاهرة بإرادة سياسية وتشريعية ومجتمعية حقيقية، تضع حماية الفتيات في صدارة الأولويات، لا في هامش الشعارات.

