أعادت موجة الفيضانات الأخيرة التي ضربت السودان، بالتزامن مع ارتفاع غير مسبوق في مناسيب نهر النيل، ملف سدّ النهضة الإثيوبي إلى واجهة الجدل الإقليمي.

 

فبين تحذيرات سودانية ومصرية من تغيّرات مفاجئة في تدفقات المياه القادمة من النيل الأزرق، وتمسّك إثيوبيا برواية أن السد لا يصنع الفيضانات بل يخففها، تتجدد المخاوف القديمة المرتبطة بإدارة المياه في غياب اتفاق قانوني ملزِم.

 

ومع كل موسم أمطار كثيف، يتحول السد من مشروع هندسي إلى قضية سياسية وأمنية، تتقاطع فيها حسابات التنمية مع مخاطر الأرواح والممتلكات في دول المصب.

 

فيضانات غير معتادة وأسئلة حول تشغيل السد

 

تشير تقارير صحفية وميدانية إلى أن موسم الفيضان هذا العام اتسم بحساسية إضافية، مع تسجيل ارتفاعات سريعة في المناسيب بعد فترات قصيرة، خاصة في ولايات سودانية تقع على ضفاف النيل الأزرق والنيل الأبيض. هذه القفزات المفاجئة دفعت وزارة الري السودانية إلى إطلاق تحذيرات عاجلة، مع تكثيف الجهود لحماية المناطق السكنية والمنشآت الحيوية.

 

في هذا السياق، يرى د. عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية، أن المشكلة لا تتعلق بكمية الأمطار وحدها، بل بتزامنها مع أسلوب تشغيل سد النهضة. ويوضح أن أي اضطراب في عمل التوربينات أو تأخر تمرير المياه عبر وحدات التوليد قد يدفع إلى تصريف كميات كبيرة عبر المفيض في وقت قصير، وهو ما يخلق موجات مائية تصل بسرعة إلى السودان. ويؤكد شراقي أن الخطر لا يكمن في الفيضانات الموسمية بحد ذاتها، بل في عنصر “المفاجأة” الناتج عن غياب الإخطار المسبق والتنسيق الفني.

 

فتح المفيض بين الضرورة والمخاطر

 

يُعد فتح المفيض أو بوابات التصريف في السد من أكثر النقاط إثارة للقلق لدى دول المصب، خصوصًا إذا جرى ذلك بصورة غير متدرجة. فالمناطق السودانية القريبة من مجرى النيل، وخاصة المنخفضة منها، تكون عرضة لضغوط مائية مفاجئة قد تتجاوز قدرة السواتر والمنشآت القائمة على التحمل.

 

من جانبه، يوضح د. نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية، أن السد يمكن نظريًا أن يخفف الفيضانات إذا أُدير وفق قواعد واضحة ومتفق عليها. لكنه يحذر من أن الإدارة المنفردة، دون تنسيق لحظي مع السودان ومصر، قد تحوّل هذا الدور من عامل أمان إلى مصدر خطر. ويضيف أن دول المصب لا تعترض على حق إثيوبيا في التنمية، بل على غياب قواعد التشغيل المشتركة التي تسمح بالاستعداد المسبق لأي إطلاقات مائية كبيرة.

 

في المقابل، تواصل إثيوبيا التأكيد على أن الربط بين السد والفيضانات مبالغ فيه، وأن الأمطار الغزيرة على الهضبة الإثيوبية هي العامل الحاسم. وتعتبر أديس أبابا أن السد، بقدرته التخزينية الضخمة، يساهم في تنظيم التدفق على المدى الطويل، لا في تعقيده.

 

اتهامات متبادلة وثقة سياسية مفقودة

 

اتهمت مصر إثيوبيا بإدارة “غير منضبطة وغير مسؤولة” لسد النهضة، معتبرة أن عمليات التشغيل الأخيرة ساهمت في تفاقم فيضان النيل في السودان، وأن التصريف جرى دون تنسيق كافٍ، ما يشكل تهديدًا مباشرًا لأمن السكان المائي. وتؤكد القاهرة أنها تعتمد بصورة شبه كاملة على النيل، وأن أي تغيّر مفاجئ في التدفقات قد تكون له عواقب جسيمة، خاصة في سنوات الجفاف.

 

في هذا الإطار، يشير الوزير الأسبق للري د. محمد نصر علام إلى أن جوهر الأزمة ليس تقنيًا فقط، بل سياسي بالدرجة الأولى. فغياب اتفاق قانوني ملزِم ينظم قواعد الملء والتشغيل يجعل كل موسم أمطار أو جفاف مصدر توتر. ويضيف أن مصر والسودان طالبا منذ بدء المشروع بقواعد واضحة للإطلاقات المائية، ليس لتقييد إثيوبيا، بل لضمان حد أدنى من الأمان المائي للجميع.

 

وتستند مصر في جانب من موقفها إلى اتفاق 1959 الذي حدّد حصتها بنحو 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، وتخشى أن تؤدي الإدارة المنفردة للسد إلى تقليص هامش الأمان لديها، خاصة مع تزايد الطلب المحلي وتأثيرات التغير المناخي.

 

تأثيرات طويلة الأمد تتجاوز موسم الفيضان

 

منذ انطلاق مشروع سد النهضة عام 2011، حذّرت مصر والسودان من أن التحكم غير المشترك في ملء وتشغيل السد قد يغيّر انتظام تدفق المياه على المدى الطويل. هذه التغيرات لا تنعكس فقط في مواسم الفيضانات، بل أيضًا في فترات الشح، حيث قد تتأثر الزراعة وشبكات الري والمياه الجوفية.

 

في هذا السياق، يؤكد د. ضياء الدين القوصي، أن خطورة السد لا تكمن في وجوده، بل في طريقة إدارته. ويشير إلى أن أي مشروع مائي عابر للحدود يحتاج إلى إدارة تشاركية قائمة على تبادل البيانات في الزمن الحقيقي. وبدون ذلك، تتحول الثقة المفقودة إلى عامل مضاعف للمخاطر، لأن كل طرف يفسر الأحداث وفق أسوأ السيناريوهات المحتملة.

 

الخلاصة: أنه يبقى ملف سد النهضة حاضرًا بقوة كلما ارتفع منسوب النيل أو تراجع، لأن الخلاف تجاوز الجانب الهندسي ليصبح اختبارًا للثقة السياسية والتعاون الإقليمي.

فبين رواية إثيوبية ترى في السد أداة تنظيم وحماية، ومخاوف سودانية ومصرية من مفاجآت التشغيل، تظل الحاجة ملحّة إلى تنسيق فني وسياسي حقيقي بين الدول الثلاث.

 

اتفاق قانوني ملزِم، وتبادل شفاف للبيانات، وإدارة مشتركة للفيضانات وسنوات الشح، هي وحدها القادرة على تقليل احتمالات الصدام وتفادي تكرار كوارث قد يدفع ثمنها سكان دول المصب في كل موسم استثنائي.