كشفت بيانات رسمية حديثة أن تكلفة التشغيل السنوية للحي الحكومي في العاصمة الإدارية الجديدة بلغت نحو 7.6 مليار جنيه خلال عام مالي واحد، أي ما يعادل قرابة 157 مليون دولار.

 

رقم ضخم يفتح الباب واسعًا أمام تساؤلات مشروعة حول أولويات الإنفاق العام، وجدوى نقل الجهاز الإداري للدولة إلى مدينة جديدة مرتفعة التكلفة، في وقت تعاني فيه الموازنة العامة من عجز مزمن، ويُطلب من المواطنين تحمّل أعباء متزايدة تحت شعار «الإصلاح الاقتصادي».

 

ومع تصاعد الانتقادات، يرى خبراء اقتصاد أن ما يجري لا يمكن فصله عن نمط إدارة يعتمد المشروعات العملاقة المكلفة دون حساب دقيق لكلفة التشغيل والعائد الحقيقي.

 

تكلفة تشغيل متصاعدة… وأعباء دائمة على الموازنة

 

وفق الأرقام المعلنة، بلغت تكلفة تشغيل الحي الحكومي نحو 7.6 مليار جنيه خلال عام واحد، موزعة بين حق الانتفاع بالمباني، والصيانة، وبدلات السكن والانتقال، ومصروفات تشغيلية أخرى.

ورغم أن بند استخدام المباني الحكومية، الذي سجل نحو 4.16 مليار جنيه، شهد تراجعًا نسبيًا عن العام السابق، فإن ذلك لم ينعكس في خفض جوهري لإجمالي الإنفاق، بل جرى تعويضه بارتفاع بنود أخرى، أبرزها بدل السكن الذي قفز إلى 457 مليون جنيه.

 

هذه الأرقام، في نظر د. عالية المهدي، أستاذ الاقتصاد، تعكس «مشكلة هيكلية في التخطيط المالي»، مؤكدة أن الحكومة تركز على كلفة الإنشاء وتغفل عمدًا كلفة التشغيل المستدامة.

وتضيف أن أي مشروع حكومي يجب أن يُقيّم بناءً على كلفته طوال دورة حياته، لا في لحظة الافتتاح فقط، مشيرة إلى أن 7.6 مليار جنيه سنويًا تعني التزامًا طويل الأمد يضغط على الموازنة لسنوات قادمة.

 

وتحذر المهدي من أن استمرار هذا النمط يخلق إنفاقًا جامدًا يصعب تقليصه لاحقًا، في ظل تراجع الإنفاق الاجتماعي على الصحة والتعليم، وهو ما يفاقم الإحساس بعدم العدالة في توزيع الموارد.

 

العاصمة الإدارية: مشروع سياسي أكثر منه اقتصادي

 

العاصمة الإدارية الجديدة تُقدَّم رسميًا كمشروع تنموي يهدف إلى تخفيف الضغط عن القاهرة وتحسين كفاءة العمل الحكومي.

لكنها، في نظر كثير من الخبراء، تحولت إلى رمز لسياسة «الهروب إلى الأمام» عبر بناء مدينة جديدة بدل معالجة مشكلات المدن القائمة. فالانتقال لم يلغِ ازدحام القاهرة، ولم يُخفّض كلفة الإدارة، بل أضاف طبقة جديدة من الإنفاق.

 

د. محمد فؤاد يرى أن السؤال الجوهري ليس فقط «كم تكلف العاصمة؟» بل «ما العائد منها؟». ويؤكد أن نقل الوزارات لا يخلق قيمة اقتصادية تلقائيًا، ما لم يصاحبه تحسين في الإنتاجية أو خفض فعلي للنفقات.

ويضيف أن الحكومة لم تعرض حتى الآن دراسات شفافة توضح ما إذا كانت تكلفة التشغيل الحالية ستقابلها وفورات في أماكن أخرى، أم أن الأمر مجرد نقل للأعباء من بند إلى آخر.

 

ويشير فؤاد إلى أن المقارنة بين العاصمة الإدارية ومدن حكومية في دول أخرى غير دقيقة، لأن تلك الدول تمتلك قواعد ضريبية أوسع واقتصادات أكثر تنوعًا، بينما تعتمد مصر بشكل متزايد على الاقتراض لتمويل الإنفاق الجاري، بما فيه تشغيل العاصمة الجديدة.

 

غياب الشفافية… ومن يدفع الثمن؟

 

أحد أبرز أوجه النقد يتمثل في غياب الشفافية حول التفاصيل الكاملة لتكلفة التشغيل، ومن يتحملها فعليًا.

فبينما تتحدث البيانات عن تراجع بعض البنود، لا تتضح الصورة الكاملة حول التزامات طويلة الأجل مثل الصيانة، والطاقة، والنقل اليومي للموظفين، فضلًا عن البنية التحتية الداعمة.

 

من جانبها، ترى د. سالي صلاح أن هذه التكاليف تعكس «فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع المالي».

وتوضح أن الحكومة تتحدث عن ترشيد الإنفاق، بينما تُبقي على مشروعات ذات كلفة تشغيل مرتفعة دون نقاش عام حقيقي.

وتضيف أن الموظف الحكومي نفسه يدفع ثمن هذا القرار، سواء عبر مشقة الانتقال، أو ارتفاع كلفة المعيشة المرتبطة بالعمل في العاصمة الجديدة.

 

وتحذر صلاح من أن استمرار هذا المسار قد يدفع الحكومة مستقبلًا إلى فرض رسوم أو تقليص خدمات لتعويض العجز، ما يعني أن المواطن سيتحمل في النهاية كلفة قرارات لم يُستشر فيها.

 

اختبار 2026… بين الاستمرار والتراجع

 

مع دخول عام 2026، تتحول تكلفة تشغيل العاصمة الإدارية إلى اختبار اقتصادي حقيقي.

فالأرقام الحالية لا تمثل ذروة الإنفاق بعد، إذ يُتوقع أن ترتفع الكلفة مع اكتمال انتقال مزيد من الهيئات، وزيادة عدد العاملين، وتوسع الخدمات.

وفي ظل ضغوط الديون وارتفاع أسعار الفائدة، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل تستطيع الدولة الاستمرار في تمويل هذا النموذج دون الإضرار ببنود إنفاق أساسية؟

 

يجمع الخبراء على أن المشكلة ليست في وجود مدينة جديدة بحد ذاته، بل في غياب رؤية اقتصادية شاملة تربط التكلفة بالعائد، وتخضع المشروعات الكبرى للمساءلة. فالتنمية، كما تقول د. عالية المهدي، «ليست في حجم المباني، بل في تحسين حياة الناس»، وهو معيار يبدو غائبًا عن حسابات حكومة الانقلاب.

 

الخلاصة أن تكلفة تشغيل الحي الحكومي بالعاصمة الإدارية الجديدة لم تعد رقمًا تقنيًا في تقرير مالي، بل أصبحت عنوانًا لنهج اقتصادي يضع المواطن أمام أعباء متزايدة دون عائد ملموس.

ومع تصاعد الإنفاق السنوي إلى مليارات الجنيهات، تتعمق الأسئلة حول الأولويات، والشفافية، ومن يدفع ثمن هذه الخيارات.

وبينما تستعد البلاد لتحديات 2026، يبدو أن العاصمة الإدارية تحولت من «مدينة المستقبل» إلى عبء حاضر يختبر قدرة الاقتصاد المصري على الصمود.