تحول القطاع العقاري في مصر، الذي طالما تغنت به الحكومة بوصفه “قاطرة التنمية”، إلى أكبر مصادر الألم الاقتصادي والاجتماعي، بعدما انفجرت داخله أزمة غير مسبوقة تكشف حجم الفوضى وغياب الرقابة. آلاف المواطنين، بعضهم من الطبقة الوسطى والعليا، يقفون اليوم على أرصفة المدن الجديدة والعاصمة الإدارية يرفعون صور عقود رسمية وقعوا عليها بحُسن نية، ووعدتهم بشقق فاخرة ومشروعات “تُسلم على المفتاح”، فإذا بهم يواجهون الواقع المرّ: لا وحدات تُسلم، ولا أموال تُرد، ولا قضاء يُنصف.

 

خلف الدعاية الرسمية عن “النهضة العمرانية” يقف واقع مليء بالمخالفات والنصب والاحتيال، في ظل غياب أي نظام يضبط السوق أو يحمي حقوق المشترين، ووسط تعقيد قانوني جعل العدالة بطيئة وغير نافذة، حتى تحولت مشاريع التطوير إلى مقابر للثقة ومستنقع لمدخرات المصريين.

 

فوضى القوانين وتآكل الثقة في الدولة

 

بدأ الانهيار قبل سنوات حين قررت الحكومة فرض قيود مشددة على البناء في المدن القديمة والقرى، وقصر التوسع على المدن الجديدة والمناطق التي تُدار فعليًا من قبل الأجهزة السيادية ومؤسسات التعمير الحكومية. هذه السياسة خلقت فوضى في السوق، ودفعت مئات الشركات إلى العمل دون ضوابط حقيقية أو حماية للمستهلكين.

 

مع انهيار الجنيه وارتفاع أسعار الأراضي ومواد البناء، انهارت قدرة الشركات على الالتزام بجدول التسليم، وبدأ مسلسل المماطلات والتبريرات. آلاف العقود ما زالت معلقة أمام المحاكم، بينما لا تملك الحكومة ما يفعله سوى إطلاق تطبيق شكاوى عبر واتساب، وكأن كارثة تمسّ مدخرات المصريين يمكن حلها برسالة إلكترونية.

 

تقول سيدة من مدينة الشيخ زايد إنها دفعت كامل ثمن وحدتها في مشروع فاخر تابع لشركة “إعمار” دون أن تستلم منزلها منذ أكثر من خمس سنوات، رغم حصول النيابة على حكم ضد المطور. وآخرون لديهم قضايا ضد شركات كبرى مثل “صبور” و“أيوب عدلي أيوب”، وماونتن فيو ومكسيم، تتعلق بمشروعات تعطلت لأعوام أو لم تبدأ أصلًا. المشهد نفسه يتكرر: الشركات تستند إلى نفوذها، والمحاكم تُصدر أحكامًا لا تُنفذ، والمواطن يظل يدفع الأقساط حتى آخر جنيه دون أن يرى حجارة تبنى على أرض الواقع.

 

نصب عقاري ممنهج.. والمستثمر ضحية النظام

 

القانون المصري يجرم التخلف عن تسليم الوحدات في موعدها باعتباره “جريمة نصب عقاري”، لكن التطبيق شبه غائب، ما حوّل هذا النشاط إلى ملاذ آمن للنصابين باسم “الاستثمار العقاري”. التقارير الاقتصادية تكشف عن عشرات القضايا التي ضبطتها وزارة الداخلية خلال الشهور الماضية تخص غسل أموال بقيمة 250 مليون جنيه عبر عمليات احتيال عقاري، بينما تم الكشف عن مشروعات وهمية تُباع على الورق لمواطنين داخل وخارج البلاد.

 

القصة الأشهر للمصري المغترب “سامح مهران” الذي دفع مدخراته بالدولار في مشروع بمدينة الشروق بعد أن أغرته الإعلانات الرسمية. وبعد أن رفض المطور تسليمه وحدته بحجة رفع الأسعار، اكتشف أن الشركة رفعت ضده دعوى فسخ عقد مستغلة وجوده في الخارج. حتى بعد صدور حكم لصالحه، لم يُنفذ القرار، ليُعرض عليه بعد 6 سنوات استرداد أمواله بالجنيه المصري وليس بالدولار، مع اقتطاع 20% لصالح المطور!

 

هذه الفوضى تتغذى على غياب آلية “حساب الضمان العقاري” (Escrow) المعمول بها عالميًا والتي تضمن حجز أموال العملاء في حساب مصرفي لا يُصرف إلا مقابل تقدم فعلي في الإنشاء. في مصر، تسحب الشركات أموال الحاجزين منذ اليوم الأول وتصرفها على مشروعات أخرى، لتبقى أموال الناس رهينة قرارات متنفذين يتلاعبون بالعقود والقوانين دون رقيب.

 

انهيار الطلب وركود السوق.. وعودة شبح الفقاعة

 

بعد أن فقد المواطنون الثقة في المطورين، دخل السوق مرحلة ركود حاد غير مسبوق. فالمبيعات تراجعت رغم عروض التقسيط الطويلة التي تصل إلى 12 عامًا وخصومات ضخمة، لأن المستثمر الصغير لم يعد يصدق الوعود. إلى ذلك، يهيمن الإسكان الفاخر على أغلب المعروض، بينما يعجز أغلب المصريين عن شراء الوحدات، حتى تلك التي وُعدوا بأنها “متوسطة السعر”.

 

مدير غرفة التطوير العقاري، أسامة سعد الدين، يقول إن الخلل الهيكلي هو السبب: فالمعروض لا يناسب الطلب، والقطاع يركّز على الفئات الأعلى دخلًا. أما الشراء في “سوق إعادة البيع” فانهار تمامًا، إذ يضطر كثيرون إلى بيع وحداتهم بخسائر كبيرة لإنقاذ ما تبقى من السيولة.

 

الخبراء يحذرون من أن السوق يعيش اليوم فقاعة عقارية صامتة؛ شركات تبني مشاريع على الورق، وبنوك تمول بلا ضمانات حقيقية، ودولة تتجاهل أزمة الثقة المتفاقمة. من قاطرة النمو إلى عبء قاتل على الاقتصاد، أصبح العقار في مصر مرادفًا للنصب والتضليل والفساد القانوني، الذي ينهش ما تبقى من مدخرات الشعب ويعمّق فقدان الأمل في الإصلاح.