ربط المحلل أمين أيوب، زميل منتدى الشرق الأوسط بين مرسوم رئاسي صدر مؤخرًا في مصر وخطط تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى شبه جزيرة سيناء المتاخمة للحدود مع القطاع.
يأتي ذلك على الرغم من تظاهر نظام السيسي برفض تهجير الفلسطينيين إلى مصر، على مدار أكثر من عامين من اندلاع حرب الإبادة الجماعية على غزة، وعقب تصريح وزير الخارجية بدر عبدالعاطي حول رفض مصر "عروضًا مالية ضخمة" وإلغاءً كاملاً للديون مقابل السماح بتهجير الفلسطينيين من غزة إلى شبه جزيرة سيناء.
وقال أيوب في مقال نشره موقع "عروتس شيفع" الإسرائيلي، إن "خيار سيناء"- وهو التهجير الجماعي لسكان غزة إلى الأراضي المصرية– ظل لأكثر من عامين بمثابة الخط الأحمر في دبلوماسية الشرق الأوسط.
وقد وصفه المسؤولون المصريون، بدءًا من السيسي وصولًا إلى أدنى رتبة في حرس الحدود، بأنه "خط أحمر" من شأنه أن يُشعل فتيل الحرب، ووصفوه بأنه "تصفية للقضية الفلسطينية".
غير أنه وعلى خلاف ما توحي التصريحات المصرية بشأن خطط التوطين، استشهد أيوب بمرسوم رئاسي مصري صدره في 25 ديسمبر 2025، قال إنه سيفتح الباب أمام تهجير الفلسطينيين إلى سيناء.
وبموجب المرسوم رقم 736 لسنة 2025 المنشور في الجريدة الرسمية (العدد 52 مكرر (ج)). خصصت مصر رسميًا 6,227,658 مترًا مربعًا (حوالي 1,482 فداناً) من أراضي الدولة في شمال سيناء للهيئة العامة للأراضي والموانئ الجافة.
وقال أيوب إن "الهدف المعلن هو إنشاء "مناطق لوجستية" لتسهيل التجارة. لكن نظرة فاحصة على الخريطة تكشف أن مصر لا تبني مراكز تجارية، بل تبني بنية تحتية لسكان لم يعد بإمكانها منعهم من الدخول".
لوجستيات الخداع
وأوضح أن المرسوم يستهدف ثلاثة مواقع محددة ذات موقع استراتيجي: رفح، والحسنة، ومنطقة بغداد في شمال سيناء، معتبرًا أن اختيار هذه المواقع ليس لأسباب اقتصادية، بل لأسباب تكتيكية.
وفيما أشار إلى أن رفح تُشكّل منفذًا رئيسًا، فهي بمثابة منطقة عبور مباشرة لملايين الفلسطينيين المحاصرين حاليًا عند السياج الحدودي، لفت أيوب إلى أن الموقعين الآخرين: الحسنة وبغداد، يكشفان عن نوايا النظام الحقيقية. فبموقعهما في قلب سيناء، بعيدًا عن دلتا النيل المأهولة وقناة السويس الحساسة، تُشكّل هذه المناطق خط دفاع ثانوي.
وأوضح أنه من خلال إنشاء "مناطق لوجستية" ضخمة هناك، يتبنى الجيش المصري استراتيجية دفاعية متعددة الطبقات لإدارة شؤون اللاجئين تقوم على معالجة طلبات اللاجئين على الحدود، ثم نقلهم بسرعة إلى هذه المناطق المعزولة ذات الحراسة الأمنية المشددة، ما يعزل سكان غزة فعليًا في الصحراء قبل أن يختلطوا بالسكان المصريين أو ينضموا إلى المعارضة الداخلية في القاهرة.
الأهم من ذلك كما يشير أيوب، تنص المادة الثانية من المرسوم على احتفاظ القوات المسلحة بملكية وسيطرة أي أرض مخصصة عسكريًا تقع ضمن حدود هذه الأراضي المخصصة حديثًا، مما يؤكد أنه على الرغم من الغطاء المدني للهيئة العامة للأراضي والموانئ الجافة، فإن هذه المناطق ستظل خاضعة لسلطة عسكرية صارمة، فيما وصفه بأنه "حكم عرفي متنكر في ثوب التخطيط العمراني".
انهيار "الخط الأحمر"
وقال أيوب في تفسيره لتوقيت صدور المرسوم الرئاسي، إنه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتوترات الشديدة التي سادت خلال الـ 48 ساعة الماضية. إذ تشير التقارير إلى أن حكومة نتنياهو، التي شجعتها إدارة ترامب، تستعد لتسهيل خروج سكان غزة من جانب واحد.
وذكر أن وزير الخارجية المصري ظل لأشهر يؤكد على أن النزوح "خط أحمر"، لكنه رأى أن الواقع الاقتصادي أجبره على تحوّل براجماتي، وإن كان ساخرًا. فمع تعرض الجنيه المصري لضغوط هائلة، وتزايد أعباء سداد الديون الدولية، من المرجح أن ينظر النظام إلى "خيار سيناء" لا كخيار، بل كآلية للبقاء.
كابوس أمني
استندت اتفاقيات كامب ديفيد إلى نزع السلاح من سيناء وفصل واضح بين الدولة المصرية والنضال الفلسطيني العربي. لكن أيوب يقول إن المرسوم 736 أدى إلى تقويض هذا الفصل.
وتوقع في حال أصبحت هذه "المناطق اللوجستية" بمثابة مساكن فعلية لمئات الآلاف من سكان غزة، فسيتحول شمال سيناء إلى منطلق دائم لحرب غير متكافئة، وسيجد عناصر حماس، الذين يندمجون في صفوف اللاجئين، أنفسهم في منطقة تعاني أصلاً من آثار عقد من التمرد ضد الدولة المصرية.
ورجح في تلك الحالة أن تصبح منطقة "بغداد" في وسط سيناء بسهولة مركز ثقل جديد للنشاط المسلح، إذ تقع على مقربة من الحدود الإسرائيلية ولكنها محمية بالسيادة المصرية.
علاوة على ذلك، رأى الكاتب أن تصريحات شركاء إسرائيل في التحالف، الذين طالما دعوا إلى "الهجرة الطوعية" ستُؤتي ثمارها، وسينظرون إلى فرق البناء المصرية في الحسنة لا كعمال لوجستيين، بل كمقاولين لواقع إقليمي جديد.
اليوم هو اليوم التالي
وقال أيوب إنه مع صدور المرسوم الرئاسي رقم 736، تمّ إضفاء الطابع الرسمي على تداعيات الأزمة، "مصر تُشيّد الخرسانة لما بعد الأزمة، وهو ما لا يشبه بأي حال من الأحوال حل الدولتين الذي يحلم به الدبلوماسيون في جنيف. بل يبدو أشبه بأرخبيل أمني من مدن الخيام و"الموانئ الجافة" في صحراء سيناء، تُديره القوات المسلحة المصرية وتموله دولٌ تتوق إلى غضّ الطرف"، وفق قوله.
وخلص الكاتب إلى أنه "لم يعد السؤال هو ما إذا كان الفلسطينيون سينتقلون إلى سيناء، بل إلى متى ستصمد ذريعة "اللوجستيات" قبل نصب الخيام".

