في تطور ميداني لافت يعكس اتساع رقعة الصراع وتعقّد أبعاده الإقليمية، أعلن الجيش السوداني عن أسر عناصر من دولة جنوب السودان خلال مشاركتهم في القتال إلى جانب قوات الدعم السريع، في معارك شهدتها ولاية شمال كردفان خلال الأيام الماضية، في وقت تتواصل فيه العمليات العسكرية في دارفور وكردفان، وتتفاقم الكارثة الإنسانية، وسط رسائل سياسية حاسمة من قيادة الدولة، ومؤشرات اقتصادية مرتبطة بالديون والدعم الخارجي.
أسر عناصر أجنبية وتصعيد دبلوماسي محتمل
وقالت مصادر عسكرية سودانية إن قوات الجيش والقوات المتحالفة معه تمكنت من أسر أكثر من عشرة عناصر من دولة جنوب السودان في بلدتي كازقيل والرياش بولاية شمال كردفان، أثناء مشاركتهم في القتال إلى جانب قوات الدعم السريع.
وأوضحت المصادر أن هذه التطورات قد تفتح الباب أمام تحركات دبلوماسية رسمية، حيث يستعد السودان لمخاطبة حكومة جنوب السودان وتقديم أدلة موثقة تثبت مشاركة هذه العناصر في القتال، ما قد يضيف بعدًا إقليميًا جديدًا للنزاع المستمر منذ أكثر من عامين.
ويرى مراقبون أن إعلان الجيش عن وجود مقاتلين أجانب في صفوف الدعم السريع يمثل تصعيدًا سياسيًا وعسكريًا، وقد يؤثر على علاقات السودان مع دول الجوار، في ظل اتهامات متبادلة بشأن دعم أطراف الصراع.
مقتل قائد ميداني وتهديدات بالرد
وفي سياق متصل، أفادت مصادر ميدانية بمقتل القائد الميداني في قوات الدعم السريع، حامد علي أبو بكر، في هجوم بطائرة مسيّرة استهدف مدينة زالنجي بوسط دارفور.
ونعت قيادات في الدعم السريع القائد القتيل، متهمة الجيش السوداني بالمسؤولية عن ما وصفته بـ"عملية اغتيال".
وأصدر مستشار قائد الدعم السريع بيانًا توعّد فيه الجيش بدفع "ثمن غالٍ"، معتبرًا أن استهداف القادة لن يثني قواته عن مواصلة القتال.
وفي أعقاب الهجوم، كشفت مصادر محلية عن قيام قوات الدعم السريع بحملات اعتقال في مدينة زالنجي طالت عددًا من الشبان، بدعوى الاشتباه في التعاون مع الجيش، ما زاد من مخاوف السكان المدنيين.
تحذيرات من كارثة إنسانية متفاقمة
على الصعيد الإنساني، حذّر مجلس غرف طوارئ شمال دارفور من تدهور خطير في الأوضاع بمحلية أمبرو، مؤكدًا أن المنطقة تشهد أوضاعًا مأساوية أدت إلى نزوح قسري لأكثر من 6500 أسرة.
وأشار المجلس إلى نقص حاد في الغذاء والدواء، وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية بسبب استمرار المعارك وانعدام الأمن.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت تشير فيه التقديرات الدولية إلى أن الحرب في السودان أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف، وتشريد نحو 13 مليون شخص داخل البلاد وخارجها، ما يجعلها واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم حاليًا.
البرهان: معركة وجودية ورسائل للداخل والخارج
سياسيًا، شدد رئيس مجلس السيادة الانتقالي، عبد الفتاح البرهان، على أن السودان يخوض "معركة وجودية"، مؤكدًا أن ما وصفها بـ"أوهام التقسيم" لن تتحقق.
وخلال خطاب ألقاه من أمام القصر الجمهوري المدمر في الخرطوم بمناسبة الذكرى السبعين للاستقلال، قال البرهان إن الحرب وحّدت وجدان السودانيين، وإن النصر قادم، متعهدًا بطرد ما وصفه بالتمرد من البلاد.
وحمل الخطاب رسائل متعددة، بحسب مراقبين، إذ ربط البرهان بين محطات تاريخية مفصلية في مسيرة السودان، معتبرًا أن الشعب قادر اليوم على تجاوز هذه المحنة كما تجاوز الاستعمار وحقق الاستقلال.
كما وجّه دعوة للسياسيين للعودة إلى البلاد ومراجعة مواقفهم، مؤكدًا الاستعداد للانخراط في أي مصالحة وطنية تضع مصلحة السودان فوق الاعتبارات الحزبية.
من جانبه، أعرب والي الخرطوم عن أمله في تحقيق تقدم حاسم في ولاية كردفان، مشيرًا إلى أن المعارك دخلت مرحلة متقدمة تهدف إلى "تحرير كامل الولاية".
دعم اقتصادي صيني وسط أزمة ديون خانقة
اقتصاديًا، أعلنت وزارة المالية والتخطيط السودانية أن الصين تعتزم إعفاء السودان من ديون بقيمة 345 مليون يوان، أي ما يعادل نحو 45 مليون دولار، تمثل قروضًا دون فوائد خُصصت سابقًا لتمويل مشروعات تنموية.
كما جرى بحث تنفيذ منحة صينية بقيمة 200 مليون يوان لدعم مشروعات البنية التحتية في قطاعات المياه والزراعة والكهرباء.
وأكد الجانب الصيني استعداده لتقديم دعم إضافي عبر منظمات الأمم المتحدة، لا سيما في مجال الطاقة الشمسية لمحطات مياه الشرب في عدد من الولايات المتأثرة بالحرب.
غير أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، لا تبدو كافية أمام حجم الأزمة، إذ تشير تقارير دولية إلى أن الدين العام السوداني بلغ 147% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، مع توقعات بتراجعه تدريجيًا خلال الأعوام المقبلة، شريطة تحسن الأوضاع السياسية والأمنية.
كما تواجه الحكومة صعوبات كبيرة في تمويل العجز، في ظل توقف مسار تخفيف الديون بسبب الحرب وعدم الاستقرار.
مشهد مفتوح على كل الاحتمالات
بين المعارك المتواصلة، والتحذيرات الإنسانية، والرسائل السياسية، والدعم الاقتصادي المحدود، يقف السودان أمام مشهد شديد التعقيد، تتداخل فيه الأبعاد العسكرية والإقليمية والاقتصادية.
ومع استمرار الحرب دون أفق واضح للحل، تبقى كلفة الصراع مرشحة للارتفاع، فيما يترقب السودانيون مخرجًا يوقف نزيف الدم ويعيد للدولة استقرارها المفقود.

