تتصاعد أزمة عمالية جديدة داخل شركة «مفكو حلوان» للأثاث، وسط اتهامات مباشرة للإدارة باتباع نهج عقابي وانتقامي ضد العمال، على خلفية مطالب مشروعة بتطبيق الحد الأدنى للأجور وتحسين شروط العمل، في واقعة تعكس – بحسب منظمات حقوقية – خللًا عميقًا في منظومة حماية حقوق العمال وآليات إنفاذ القانون داخل منشآت القطاع الخاص.
وفي هذا السياق، أعلنت المفوضية المصرية للحقوق والحريات متابعتها بقلق بالغ للتطورات الأخيرة داخل الشركة، مدينةً ما وصفته بسلسلة من الانتهاكات الجسيمة التي تمثلت في فصل عامل ومنعه من ممارسة عمله، إلى جانب اتخاذ قرارات نقل تعسفية بحق عمال آخرين، في محاولة – وفق توصيف المفوضية – لكسر إرادة العمال، وترهيبهم، ودفعهم للاستقالة القسرية عبر إنهاكهم ماديًا واجتماعيًا.
فصل ممثل عمالي مفوض رسميًا
وبحسب شهادات موثقة حصلت عليها المفوضية من داخل الشركة، أقدمت إدارة «مفكو» على فصل العامل محمد سيد عبدالفتاح، أحد العمال الحاصلين على تفويض رسمي صادر عن وزارة العمل لتمثيل زملائه في التفاوض وطرح المطالب العمالية.
ولم تكتفِ الإدارة بقرار الفصل، بل منعته من دخول مقر عمله وممارسة مهامه، في خطوة اعتبرتها المفوضية استهدافًا مباشرًا للنشاط النقابي والتمثيل العمالي المشروع.
هذا الإجراء دفع العامل المفصول إلى اللجوء لمكتب العمل، حيث تقدم بشكوى رسمية ضد إدارة الشركة، وتم تحديد جلسة لنظرها يوم 22 يناير، إلى جانب تحرير محضر إثبات حالة بشأن منعه من ممارسة عمله، في محاولة لحفظ حقه القانوني وتوثيق الانتهاك الواقع عليه.
نقل تعسفي كأداة للعقاب
لم تتوقف الإجراءات العقابية عند حد الفصل، إذ أقدمت الإدارة – وفق المفوضية – على إصدار قرارات نقل تعسفية بحق عاملين آخرين، أحدهما من فرع الصف إلى الهرم، والآخر من حلوان إلى الصف، وهما من بين العمال الذين لعبوا دورًا بارزًا في التفاوض والاحتجاجات المتعلقة بالمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور، وأسماؤهم واردة ضمن التفويض الرسمي ذاته.
وترى المفوضية أن هذه القرارات لا يمكن اعتبارها إجراءات تنظيمية محايدة، بل تحمل طابعًا عقابيًا واضحًا، خاصة في ظل بعدها الجغرافي وعدم ملاءمتها لظروف العمال المعيشية ومستوى أجورهم، بما يحول النقل إلى وسيلة ضغط تهدف لإجبار العامل على ترك العمل، وهو ما يرقى – وفق توصيفها – إلى «فصل تعسفي مقنّع».
نهج انتقامي متكرر
وتؤكد المفوضية أن الوقائع الأخيرة ليست معزولة، بل تأتي ضمن سياق أوسع من التضييق المتكرر على عمال الشركة، لا سيما منذ شهر فبراير الماضي، حيث شهدت الفترة السابقة حالات فصل ومنع من دخول مقار العمل، إلى جانب نقل تعسفي، تزامنًا مع تصاعد احتجاجات العمال اعتراضًا على أوضاعهم الاقتصادية وعدم التزام الإدارة بتطبيق الحد الأدنى للأجور.
وتشير المفوضية إلى أن هذه الممارسات تعكس نمطًا ثابتًا من الانتقام من العمال الأكثر نشاطًا، في ظل غياب حماية فعالة وسرعة حسم للنزاعات العمالية، وهو ما يخلق بيئة طاردة لأي محاولة للمطالبة بالحقوق أو اللجوء للمسارات القانونية.
أزمة الحد الأدنى للأجور وغياب الرقابة
وتربط المفوضية بين الإجراءات الأخيرة وأزمة أعمق سبق أن وثقتها، تتعلق بامتناع الشركة عن تنفيذ القرار الملزم بتطبيق الحد الأدنى للأجور في منشآت القطاع الخاص. ورافق ذلك – بحسب تقارير سابقة – تحويل عمال للتحقيق، ووقفهم عن العمل، وخصم أجزاء من أجورهم، في ظل تعثر آليات التفتيش والرقابة، وتأخر مسارات التسوية، بما يترك العمال دون حماية حقيقية، بينما تستمر عجلة الإنتاج دون التزام بالحقوق الأساسية أو توفير الأمان الوظيفي.
انتهاك للدستور والمعايير الدولية
وترى المفوضية المصرية للحقوق والحريات أن فصل عامل أو منعه من العمل أو نقل زملائه بسبب دورهم التمثيلي أو مشاركتهم في التفاوض والاحتجاجات، أو حتى لتقدمهم بشكاوى رسمية، يمثل انتهاكًا صريحًا للدستور المصري، الذي يكفل الحق في العمل، ويلزم الدولة بحماية حقوق العمال وضمان علاقات عمل متوازنة.
كما يتعارض ذلك – بحسب المفوضية – مع المعايير الدولية الأساسية، وعلى رأسها اتفاقيتا منظمة العمل الدولية رقم 87 الخاصة بالحرية النقابية، ورقم 98 بشأن الحق في التنظيم والمفاوضة الجماعية، واللتين تحظران صراحة استهداف العمال أو ممثليهم بسبب نشاطهم النقابي أو مطالبهم المشروعة. فضلًا عن تعارض هذه الممارسات مع التزامات مصر بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، خاصة فيما يتعلق بالحق في العمل والحق في تكوين النقابات والانضمام إليها.
وتشدد المفوضية على أن معاقبة عامل أثناء سلوكه المسار القانوني لتقديم شكوى رسمية، أو منعه من العمل قبل حسم النزاع، يقوض فعليًا مبدأ الانتصاف الفعال، ويحول آليات التسوية العمالية إلى إجراءات شكلية تفتقر إلى أي ضمانات حماية حقيقية.
مطالب عاجلة وتدخل مطلوب
وفي ختام بيانها، أدانت المفوضية المصرية للحقوق والحريات هذه الانتهاكات، وطالبت بجملة من الإجراءات العاجلة، أبرزها تدخل وزارة العمل الفوري لوقف آثار قرارات الفصل والمنع من العمل والنقل التعسفي، وإعادة العامل محمد سيد عبدالفتاح إلى عمله وصرف مستحقاته كاملة دون انتقاص.
كما طالبت بوقف قرارات نقل العمال وإعادتهم إلى مواقعهم الأصلية، وفتح تحقيق رسمي في شبهة الاستهداف والتمييز ضد ممثلي العمال الحاصلين على تفويض رسمي، إلى جانب اتخاذ إجراءات تفتيش ومتابعة مباشرة داخل الشركة لضمان تنفيذ الحد الأدنى للأجور وصرف الفروق المالية المتأخرة.
وشددت المفوضية على ضرورة سرعة نظر الشكوى المقررة جلسة 22 يناير، وتوفير حماية فعالة للشاكين، بما يمنع استخدام بطء إجراءات التسوية كوسيلة لإطالة معاناة العمال أو تعريضهم لمزيد من الانتقام، مؤكدة أن احترام حقوق العمال ليس خيارًا، بل التزام قانوني ودستوري لا يجوز الالتفاف عليه.

