أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام قرارًا يضيف كودًا جديدًا إلى لائحة الضوابط الإعلامية، يفرض قيودًا صارمة على المحتوى المرتبط بأمراض الأورام، بحجة "حماية كرامة المرضى" و"عدم استغلالهم". لكن القراءة الدقيقة للضوابط التسعة التي تضمنها القرار، والعقوبات المشددة التي تصل للحجب الدائم والغرامات حتى 250 ألف جنيه، تكشف عن أجندة أخرى تمامًا: استخدام معاناة مرضى السرطان كذريعة جديدة للتضييق على الإعلام والمحتوى، وإغلاق أي منافذ يمكن أن تكشف حقيقة انهيار المنظومة الصحية.
تحت غطاء "حماية المريض"، يمنح النظام نفسه سلطات واسعة لمعاقبة أي محتوى يتناول أمراض السرطان، حتى لو كان هدفه جمع التبرعات لمريض محتاج أو التوعية بخطورة المرض. الحظر على ذكر تفاصيل شخصية أو مرضية، ومنع ظهور وجوه الأطفال، وإلزام مصادر طبية موثقة، كلها ضوابط تبدو إنسانية ظاهريًا لكنها في الواقع أدوات قمع مبطنة تمنح السلطة حق التدخل والمعاقبة على أي محتوى بدعوى "مخالفة الكود".
تجريم الكشف عن انهيار المنظومة الصحية
الهدف الحقيقي من هذه الضوابط ليس حماية مرضى السرطان، بل حماية النظام من فضح انهيار المنظومة الصحية. المحتوى الإعلامي والتبرعات التي تُجمع لمرضى السرطان عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي تكشف حقيقة صادمة: الدولة غائبة تمامًا عن علاج مواطنيها، ومئات الآلاف من المرضى يلجأون للاستجداء العلني لجمع تكاليف العلاج الباهظة.
كل حالة مريض سرطان تظهر على الشاشات أو منصات التواصل تطلب التبرعات هي شهادة إدانة صارخة للنظام. هي دليل حي على أن التأمين الصحي وهم، وأن المستشفيات الحكومية عاجزة، وأن "100 مليون صحة" و"حياة كريمة" وكل الشعارات البراقة لا قيمة لها أمام مواطن يحتاج 500 ألف جنيه لعلاج ورم ولا يجد سوى الاستجداء على الفضائيات.
الآن، بموجب هذا الكود الجديد، يمكن معاقبة أي قناة أو موقع أو صفحة تنشر هذه الحالات بحجة "عدم الالتزام بالمعايير" أو "إثارة الذعر" أو "عدم توثيق المصادر الطبية". النظام يريد إخفاء معاناة المرضى لإخفاء فشله الذريع في توفير الحد الأدنى من الرعاية الصحية.
قمع مبطن وسلطات مطلقة للرقابة
الضوابط التسعة التي تضمنها الكود صيغت بعبارات فضفاضة تمنح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام سلطات تقديرية مطلقة. ماذا يعني "عدم الخوض في تفاصيل شخصية أو مرضية دقيقة"؟ من يحدد ما هو "دقيق" وما هو "ضروري"؟ ماذا يعني "عبارات غير دقيقة للمرض" أو "تناوله بصورة تثير الذعر"؟ كل هذه عبارات مطاطة يمكن تفسيرها بأي شكل لمعاقبة أي محتوى.
حتى شرط "الحصول على موافقة كتابية تفصيلية" يفتح بابًا واسعًا للانتهاكات. مريض يحتضر ويحتاج علاجًا عاجلاً ليس لديه وقت أو قدرة على استخراج "موافقة كتابية تفصيلية" بالإجراءات البيروقراطية المعقدة. هذا الشرط يهدف لتعطيل أي محاولة لمساعدة المرضى عبر الإعلام أو منصات التواصل.
العقوبات المشددة (غرامات حتى 250 ألف جنيه، حجب دائم، منع النشر) تجعل أي مؤسسة إعلامية أو ناشط أو صفحة خيرية تفكر ألف مرة قبل نشر حالة مريض سرطان، خوفًا من الوقوع تحت طائلة "مخالفة الكود". النتيجة: صمت إعلامي تام عن معاناة مرضى السرطان، وإخفاء كامل لحجم الكارثة الصحية.
استغلال معاناة المرضى لتوسيع دائرة القمع
الأخطر في هذا القرار أنه يمثل نموذجًا جديدًا لاستراتيجية القمع التي يتبعها النظام: استخدام قضايا إنسانية وحساسة كذرائع لفرض قيود جديدة على حرية التعبير والإعلام. بعد "مكافحة الشائعات" و"حماية الأمن القومي" و"الحفاظ على النظام العام"، يضاف الآن "حماية كرامة مرضى السرطان" إلى ترسانة الذرائع المستخدمة لتكميم الأفواه.
لو كان النظام فعلاً يهتم بكرامة مرضى السرطان، لوفر لهم العلاج المجاني الكامل، ولطور المستشفيات الحكومية، ولزود مراكز الأورام بالأجهزة والأدوية اللازمة، ولجعل التأمين الصحي يغطي فعليًا علاج السرطان. لكن بدلاً من ذلك، يترك المرضى يموتون أو يستجدون العلاج، ثم يُجرّم من يحاول مساعدتهم أو كشف معاناتهم.
هذا الكود ليس لحماية المرضى، بل لحماية النظام من الفضيحة. النظام لا يريد أن يرى المصريون والعالم حجم الكارثة الصحية، لا يريد أن تُنشر أرقام المرضى الذين يموتون لعدم قدرتهم على دفع تكاليف العلاج، لا يريد أن تظهر الأطفال المحتضرون على الشاشات كشهادة إدانة حية على فشله.
قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بشأن المحتوى المرتبط بأمراض الأورام هو نموذج صارخ لكيفية تحويل النظام أي قضية إنسانية إلى أداة قمع. تحت غطاء "الحماية" و"الكرامة"، تُفرض قيود جديدة على الإعلام والمحتوى، وتُمنح السلطة صلاحيات أوسع للمعاقبة والحجب والتكميم. والضحية الحقيقية ليست "كرامة المرضى" الوهمية، بل حق المواطنين في معرفة الحقيقة، وحق المرضى في طلب المساعدة، وحق الإعلام في كشف فشل المنظومة الصحية.

