بقلم : وليد أبو النجا
 
كلما نظرت إلى صورة من صور عبد الرحمن سيد المنشورة على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، أشعر وكأني رأيت هذا الوجه من قبل، وكأني أعرف صاحبه، وكأنه قريبي، أو ابن أحد أصدقائي، أو ابن جار من جيراني، وكيف لا أتخيل أني أعرفه؟ وهو يشبه إخوتي وإخوتك، وأبنائي وأبناءك، وملايين الشباب في القرى والأحياء والحواري والأزقة.
 
صورة عبد الرحمن بهذه النظرة البريئة، والبسمة الصافية، والملامح الهادئة، الرقيقة، والشعر المسندل أو المحلوق، والوجه الذي لم تغادره بعد ملامح الطفولة.
 
ابن التسعة عشر ربيعا، الشاب الغض الطري، الذي قضى في الحياة أقل من ثلثي المدة التي قضاها سيادة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في كرسي الحكم.
 
إنه الشاب الذي أطلقت الزغاريد، لا في نجاحه في الثانوية العامة، ولا عند تخرجه في إحدى الكليات، ولا في حفل خطبته، أو زواجه، ولكن أطلقت الزغاريد في جنازته، وهي تغادر بوابة خروج مصر المعتادة الآن، بوابة (مشرحة زينهم).
 
لم يمت في حادث مروري، ولم بمرض من أمراض السرطان المنتشرة بين المصريين، ولا بسكين بلطجي، وإنما مات على حبل مشنقة ميري، بحكم محكمة عسكرية تتقاضى راتبها من الضرائب التي أدفعها أنا وأنت وبقية المصريين، قتلوك على حسابنا يا عبد الرحمن، قتلوك قتلهم الله.
 
إنه الشاب الذي وجد بين أطباق التراب ملاذا أكثر هدوءا وأمنا، من سلخانات التعذيب في مقرات الأمن الوطني وجدران زنازين سجن العقرب، ووجد في القبور أرواح أكثر نقاء من نفوس ملايين المواطنين المصريين الأحياء، إنه الشاب الذي سيجد سؤال منكر ونكير أكثر رفقا ورحمة من سؤال جلادي الداخلية المصرية والنيابة العسكرية.
 
أتدري يا عبد الرحمن، الذنب ليس في الحقيقة ذنبك، وإنما هو ذنب والديك اللذين حفظاك سورة الأنفال والبروج والكافرون ولم يحفظاك أغاني بشرى وحسين الجسمي ومصطفى كامل، ذنب والدتك التي ترتدي النقاب بدلا من خلع الحجاب، ذنب لحية والدك الكثة، وجلبابه القصير، لماذا لم تكن لحية والدك وجلبابه مثل لحية برهامي وجلبابه المحببين لعلية القوم؟ الذنب ذنب القدر أنك لست ابنا لعلية القوم، بل لست حتى الكلب الذي تتظاهر لأجله سيدات جاردن سيتي والزمالك ومصر الجديدة، ذنبك أنك ابن أسرة مصرية متدينة بسيطة، وهذا ما يلاقيه البسطاء وأبناء البسطاء في هذا الزمان.
 
يذكرني عبد الرحمن بالطفل السوري الذي قال وهو في سكرات الموت: سأخبر الله بكل شيء. يا عبد الرحمن، أخبر الله الذي يسمع ويرى بكل شيء، أخبره بما لاقيته ويلاقيه عشرات الآلاف من الشباب والفتيات والشيوخ في السجون والمعتقلات، أخبره بما رأيت وعاينت وعانيت ولا تنس شيئا.
 
لم يذهب عبد الرحمن إلى الآخرة وحده، ولكن ذهب ومعه خمسة من الشباب الحر الطاهر البريء، ولكن أتدري يا عبد الرحمن أنت ورفاقك، لقد قمتم بمهمة عظيمة لمصر أم الدنيا، وأديتم خدمة جليلة للوطن الحبيب، ما كان لغيركم أن يقوم بهذه المهمة أبدا، فكل واحد منكم يمثل سطرا في رسالة مكتوبة بالدم، ومزينة بالأشلاء، رسالة إلى المعارضين الآبقين، أن مصر قوية، أقوى مما يتصورون، مصر أبية عصية، لا تمزح ولا تهدد ولا تتوعد، مصر تنفذ ولا تتردد، وهي على كامل الاستعداد للتضحية بأي عدد من أبنائها بالغا ما بلغ.
 
لا تبتئس يا أخي الصغير عبد الرحمن، فمحكمة القضاء الإداري إحدى محاكم القضاء المصري الشامخ تنظر دعوى وقف تنفيذ حكم الإعدام عليكم، وربما تقرر - والعلم عند الله – أن توقف قرار الإعدام بعد تنفيذه، أو تلغيه، أو تعيد المحاكمة، أو تبرئك، فتنام قرير العين هادئ البال أن مت بريئا، وليس ببعيد يا صديقي الصغير على القضاء المصري الذي حكم على الشهداء والأسرى بالموت، أن يحكم – وهو على كل شيء قدير – بإعادتك للحياة، فقاضيه كنمرود يظن أنه يحيي ويميت.
 
لا تحزن يا عبد الرحمن، فمصر التي تركتها والله لا يُحزن عليها، الجميع يود أن يغادرها إلى أرض الله الواسعة، بغير رجعة، وبأي سبيل كان، بفرص العمل المهينة، والتأشيرات المزورة، وعبر غياهب الصحراء المحرقة، وقوارب البحر المميتة.
 
غادرت يا عبد الرحمن تودعك دموع الرجال المقهورين العاجزين عن فعل شيء قبل دموع النساء، وتركت جروحا غائرة في نفوس كل من لديهم بقية من إحساس، وجروحا لا تزيدها الأيام إلا عمقا.
 
لست وحدك يا عبد الرحمن، أنت ضمن قافلة طويلة، لست أولها، ومما يظهر لن تكون آخرها، سبقك عشرات عبد الرحمن، وسيلحق بك أضعافهم – إلا أن يتغمدنا الله برحمته – سبقتك هالة وسندس وشيماء، سبقك كريم ومصطفى وإسلام وأحمد، سبقك خالد سعيد وسيد بلال، أنت لم تمت، وإنما ماتت الفضيلة والبراءة، والرجولة والنخوة، والمروءة والشهامة، وكل معنى جميل في النفوس، وخلا الجو للرذائل والقيم المنحطة وأصحابها
 
لم يحقق قاضيك العسكري في براءتك ومن معك، وتوقيت اعتقالكم قبل الحادثة، ولم تأخذه بكم رأفة، لحداثة سن، أو عدم ثبوت الجريمة، وأنزل بكم أقسى العقوبة، وعذره كما الآلاف أمثاله: أنه قاضي عسكري غلبان، لا يملك من أمر نفسه شيئا، عبد المأمور، أم تريده أن يصير مكانك؟ وما عليك أن تموت، ونزداد نحن وهو تمسكا بالحياة.