بقلم: عامر شماخ 
 
ربما لا يدرك العسكر -لجهلهم- أن العنف لا يقيم دولة، وأن الاستبداد لا يولد إلا تخلفًا، وأن إعداماتهم للمسلمين الموحدين لن تزيد دعوة الإسلام إلا قوة وانتشارًا، أقولها والله ناصحًا لعل فيهم رجلاً رشيدًا.
 
فإن أصحاب الدعوات أهل مبدأ وعقيدة، وقد التحقوا بتلك الدعوة وهم مدركون -تمام الإدراك- لمشقات الطريق وعوائقه، وتضحياته وتحدياته فإن وقع عليهم مثل هذا الإجحاف بسبب انتمائهم أدركوا أنهم يسيرون على الطريق الصحيح، فما يزيدهم ذلك إلا اطمئنانًا ويقينًا لمبدئهم، واستمساكًا به وإن فاضت أرواحهم وهلكت أموالهم.
 
وقدر الله فى الدعوات أنها تحقق أهدافها لا محالة، وتصل إلى قلوب الخلق ولو عطلها ألف فرعون، وفي الوقت الذي تتلقى فيه الضربات من هنا وهناك فإنها تضرب جذورها في أفئدة ووجدان الناس، مستعلية على أفعال الصغار الذين يرمونها من كل صوب قاصدين زوالها فإذا هي مارد لا يلوي على شيء.
 
إن للثورات ضريبة لا بد أن تدفع، وعربونًا لا بد أن يقبض، ولا خوف من ضياع هذه الضريبة وذلك العربون، فإنهما عند من لا تضيع عنده الودائع، وقد اشترى -فى مقايضة صريحة- الأنفس والأموال فى مقابل السلعة الغالية: الجنة، ومن قبلها: نصر من الله وفتح قريب، فما رأينا تلك الملحمة قد اختلفت فصولها من عصر إلى عصر، ومن نبي إلى آخر، فالمجرمون دائمًا تغريهم قوتهم وسلاحهم فيتمادون في تعذيب وقتل أولياء الله، فتنحاز فئة إلى هؤلاء وفئة إلى هؤلاء، أما نتيجة الشوط فالعاقبة دائمًا للمتقين، والعدوان أبدًا على الظالمين.
 
لن يستطيع العسكر أن يقتلوا شعبًا بأكمله، ولن يستطيعوا أن يطفئوا نور الله مهما امتلكوا من أدوات حرب، ومهما وقف معهم المعادون للدين، ذلك أن الله حافظ دينه ومعلي شريعته، هذا قدر مكتوب ووعد لم يتخلف يومًا، أما المشاهد فمتغيرة، قصد منها التنويع، لكن النهاية واحدة، والجزاء معروف، والمجرم لا يحصد إلا شوكًا ويموت ساعة يموت ذليلاً حقيرًا ليس له ولي ولا نصير؛ انظروا كيف مات فرعون وأبو جهل، والنمرود؟ انظروا كيف مات القذافي وصدام؟! وأين بن علي ومبارك وصالح وبشار الآن؟.. إنهم جميعًا ذاقوا كئوس الذل والمرار، وجعل الله آخر أعمارهم شقاء وتعاسة كأنهم لم يستمتعوا بنعيم من قبل.
 
منذ منتصف الخمسينيات والعسكر يعذبون الإخوان ويسجنونهم ويقتلونهم، فهل قضوا عليهم؟!، بالعكس؛ لقد تسببوا بإجرامهم هذا في خروج دعوة الإخوان إلى نطاق العالمية؛ حيث انتشرت في نحو 80 بلدًا، بل وصلت فى مصر إلى كل كفر ونجع، وحارة وزقاق، وصار منتسبوها فى كل مجال ومن كل جنس، وقد فاقوا العدّ مضحين بكل غال ونفيس مستمسكين بما استمسك به الأنبياء، لم ينحرفوا قيد أنملة عن الطريق التى رسمها لهم أسلافهم الكرام.
 
أقول: إن الفئران جميعها تدخل المصيدة، قديمًا وحديثًا، ولو أن لها عقلاً لاستفاد خلفها من سلفها ولما أوقعت أفرادها في شراك الموت.. والعسكر هكذا لا يستفيدون من شيء ولا يقرءون التاريخ، ويزيد على ذلك أنهم أهل كبر وبطر فلا يستمعون لناصح ينصحهم ولا يسمحون لناقد بانتقادهم.
 
إن أجل الله في الأعمار لا يتقدم أو يتأخر لحظة، وإذا كان الله قد كتب على البعض الموت على يد العسكر فهذا قدره وتلك مشيئته، وهذا شرف لمن مات تلك الموتة فإن الأنبياء والصالحين ماتوا على هذا، وهو في الوقت ذاته لعنة ووبال على من قتل، فإن دماء الأولياء نار مهلكة تهلك من أهدرها وتزلزل عرشه، وما فلح قوم حادوا الله وعادوا الصالحين من عباده.
 
إن من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله: قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، فماذا لو كانت هذه النفس لعبد من عباد الله الصالحين؟!، وأن قتله كان انتقامًا لإيمانه بالله العزيز الحميد؟! إن الله يغار على دينه، وغيرته تستوجب الأخذ الأليم للمجرمين المعاندين، وإسقاط رايات كل من حاده وشاقه، وتمزيق القتلة الذين عجلوا بإزهاق أنفس الناس، فما رأينا جبارًا قد نجا، ولا طاغية قد أفلت، بل الكل طالتهم مقصلة العدل الإلهية؛ فمنهم من أغرق ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من شتت الله شمله وتمزقت أوصاله وجفت الأنهار التى كانت تجرى من تحته.. وما يعلم جنود ربك إلا هو.