بقلم : عامر شماخ
كعادته فى الحكم على الأشياء، ثار صاحبى ثورته ثم أعلن وجهة نظره قولاً واحدًا: لقد نجح العسكر، وتخطوا عنق الزجاجة وصاروا قاب قوسين أو أدنى من القضاء على الحركة الإسلامية. قلت: وهل تعتبر القضاء على الحركة الإسلامية نجاحًا للطرف الآخر؟ قال: لقد خلا لهم الجو يا سيدى وتمكنوا من السلطة، و(افتكرني!!) إن تركوها إلا على جثث الشعب. قلت: يا أخى أنت تناقض نفسك؛ إذ كيف تجزم بنجاحهم وفى الوقت ذاته تؤكد أنهم لن يتركوا السلطة إلا على جثث الشعب؟!.
إن هؤلاء- حسب وجهة نظرك- عصابة من المجرمين يستحلون كل شيء من أجل اغتصاب الحكم، فإذا سلمنا بأن ما يفعلونه نجاحًا فقد اعترفنا للبلطجى بجرائمه، وللص بسرقاته وللشاذ بشذوذه، وذلك- والله- حكم جائر. قال: يا فلان لقد يئست من هول ما أرى، فالناس فى غيبوبة، بل إن منهم ملكيين أكثر من الملك، وأنت تعلم مقدار ما يتعرض له الإسلاميون من ظلم بصورة لم نرها من قبل ولم نسمع عنها فى بلد من البلدان. قلت: أما الغيبوبة التى فى الناس، فهذا أمر استقر فى الخلق حتى الذين عاصروا الأنبياء، يقول الله: {ومَا أَكْثَرُ النَّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [سورة يوسف: 103]، ويقول: {وإن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [سورة الأنعام: 116]، ويقول: {ومَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إلا وهُم مُّشْرِكُونَ} [سورة يوسف: 106]، دلالة على أن القليلين هم المستمسكون بالحق، الداعمون له، المستعدون لأن يموتوا فى سبيله، أما الأكثرية فهم يتراوحون ما بين كافر ومنافق وصاحب مصلحة وخائف وعاجز ومتردد.. إلخ. - قال ساخرًا: إذًا أمامنا عشرات السنين كى نتخلص مما نحن فيه، بل قل لن يحدث هذا أبدًا. قلت: لو سلمنا بما تقول لدام الملك فيمن حازوه أول مرة، ولما انتقل إلى الذين اغتصبوه الآن، ولبقى الغنى غنيا والفقير فقيرًا، والظالم ظالمًا والضعيف ضعيفَا. قال -بحدة: وما العمل إذًا؟ قلت: نحن مأمورون بالعمل دون اليأس، وبالإعداد الجيد دون الملل أو العجلة، وباليقين الذى لا يهتز بأن الله ناصرنا، مهما حل بنا من محن، ومهما مر بنا من أيام، فلا ندع وسيلة من وسائل مقارعة الطغاة إلا استخدمناها، ولا نتوقف فى ليل أو نهار، فى السر وفى العلن دون الجهر بالحق وفضح الباطل، وتبيين الحقائق، وإظهار الحجج والأدلة، وإظهار حبنا لديننا، واستمساكنا بعقيدتنا وعدم التفريط فى مبادئنا، فإن كل هذا كطوفان الماء الذى يزحزح الجبال من أماكنها ولو كانت رواسى من حديد، فما بالك بإمعات عبيد بيوتهم أوهى من بيوت العنكبوت. قال: كل هذا جيد، لكنه كما قلت يحتاج عقودًا بل ربما قرونًا أخري؟ قلت: يا أخى ابدأ بنفسك، وابذل قدر استطاعتك، وامسك القلم واكتب ما الذى تستطيع أن تسهم به فى هذا الميدان من ميادين الجهاد، والله عز وجل لن يحاسبك عن نتائج ما فعلت، بل سيقول لك لماذا قعدت.. إنه تعالى أمر إبراهيم بالأذان ليجتمع إليه الحجاج، فهل تظن أن صوت إبراهيم هو الذى أسمع العالمين فاجتمع إليه الناس من كل فج عميق، أبدًا، كان أذانه سببًا، أما البلاغ فقد تكفل به المولى سبحانه.
والأمر نفسه حدث مع مريم البتول- عليها السلام- فإنها لما حضرتها الولادة كانت تحتاج ما تحتاجه الوالدة- وليكن تمرًا، فأمرها الخالق- جل وعلا- أن تهز إليها بجذع النخلة فيسقط عليها الرطب، فهل تتصور أن بإمكان مريم الوالدة حالاً أن تهز جذع النخلة؟! وهل يعجز ربنا عن أن يسقط إليها هذه الرطب؟ أبدًا والله، لكنه السعى الواجب، وهو الذى سنحاسب عليه. ماذا فعلت يا مؤمن، وماذ فعلت يا مؤمنة لإزالة هذا الكابوس، قد يقول قائل: وماذا سيغير عملى إزاء هذه الترسانة من الأسلحة وهذه العصابة المجرمة التى لا ترقب فى مؤمن إلا ولا ذمة؟ .. وأؤكد أنه ربما فعلك البسيط الذى تظنه لا يساوى شيئًا هو الذى يغير الموازين ويقلب الكفة، والتاريخ شاهد على ذلك، والعبرة بالإخلاص وبصدق النية، فقد فرق نعيم بن مسعود بين المشركين واليهود ولما يمض على إسلامه ساعات معدودة، وتحول المسلمون من قلة محاصرة يضربها الجوع والبرد والخوف، إلى طرف غالب منتصر، انفسحت أمامه جزيرة العرب فى غضٍون شهور قليلة بعد تلك الحادثة؛ لكلمة قالها النبى صلى الله عليه وسلم لنعيم لما جاءه يعلن إسلامه فى حصار الخندق، قال له: خذل عنا يا نعيم. فهل يخذل عنا كل أخ مهموم بقضية وطننا وديننا بدلاً من إلقاء التهم جزافًا والاستغراق فى اللوم والعتاب والعيش فى دور الضحية!.. أشهد الله أن ديننا لا يعرف ذلك ولا يسمح به.

