بقلم: ممدوح الولي 
 
روت زميلة صحفية أن حريقا شب بالعمارة التى تسكن بها بمنطقة الهرم بالجيزة مؤخرا، وأن سكان العمارة ظلوا يتصلون بتليفون المطافى حوالى الساعة، ولكن لا رد، وعندما اتصلوا بتليفون النجدة لمساعدتهم بإبلاغ المطافى بمعرفتهم، كان الرد أن هذا ليس من اختصاصهم.

حتى أبلغها السكان  بالحريق حيث كانت خارج البيت، فقامت من خلال زملاءها من مندوبى الداخلية بالاتصال بمساعد وزير الداخلية، فحضرت عربات المطافى، لكن تجهيزات المطافى لم تكن كافية للوصول إلى احدى الشقق التى ماتت بها سيدة وطفليها، بعد حصار النيران لها.

كما كشف الحادث عن عدم التنسيق بين الجهة المسؤولة عن اطفاء الحرائق، والجهة المسؤلة عن الغاز الطبيعى، حيث لم يتم فصل الغاز الطبيعى عن العمارة وما يجاورها إلا بعد فترة، ساهم خلالها الغاز الطبيعى في امتداد الحريق إلى العديد من الشقق المجاورة.

وتروى صحفية شابة أن حادثا أصاب شقيقها ومواطنا معه، وامتنعت سيارة الإسعاف عن نقل المصابين إلى المستشفى، وقامت أسرة شقيقها بدفع مبلغ مناسب لسائق الإسعاف فقام بنقل شقيقها للمستشفى، أما المواطن الآخر المصاب بنزيف فلم تقدر  أسرته على دفع المبلغ المطلوب وقتها، مما اضطر ابنه لنقله على موتوسيكل، لكن المستشفى رفضت دخوله، وطال وقت الإجراءات لتصعد روحه إلى بارئها !

ويشبه ذلك ما رواه بعض المصريين عن تعرضهم لحوادث طرق على  الطرق المؤدية لمدن جنوب سيناء، وعندما تحضر عربات الإسعاف يكون سؤال سائقها، هل المصابين أجانب ؟ وعندما تكون الاجابة بالنفى، تنصرف عربة الإسعاف تاركة المصاب المصرى في مكانه !

ولك أن تقارن ذلك الموقف بحمل كل مواطن إسرائيلى بطاقة في جيبه تحمل اسم فندقا معينا، وهو إجراء احترازى تقوم به السلطات، بحيث إذا تعرضت أى أسرة إسرائيلية لحادث يقوم به الفلسطينيون، يصيب منزلهم، تتوجه الأسرة مباشرة إلى الفندق المحدد للإقامة به حتى يتم حل مشكلتهم.

وهكذا فإن مهمة أية حكومة هى حماية مواطنيها من أى ظرف طارئ، سواء كان في صورة حادث طريق أو مرض مفاجئ، وعلاجه الفورى كما يحدث في مستشفيات بريطانيا، دون السؤال هناك عن امتلاكه لنفقات العلاج، حتى ولو كان شخصا غير انجليزي موجودا في زيارة.

كما تمتد مهمة أية حكومة لتنشيط السوق كى يتيح فرصا للعمل،  ومن يتعطل يصرف بدل بطالة حتى يجد عملا، ومن لم يستطع تدبير غذائه يحصل على كوبونات طعام أو إعانة، وتتيح طرقا لتمويل الحصول على المسكن المناسب، والانتقال إلى مسكن آخر كلما جد جديد بالأسرة،  وبعد وصوله لسن التقاعد يجد معاشا كريما وعلاجا.

تلك مهمة الحكومات التى تقوم بها من خلال ما ستؤديه من ضرائب، إلى جانب توفير خدمات المرافق العامة، وضمان استمرار تحسن مستوى تلك الخدمات، وتتبارى السلطات المحلية الحكومية والشعبية في حل مشاكل المناطق التى تتواجد بها، وعندما تقصر الحكومات أو المجالس المحلية في تلك المهمة، ينتخب الناس حكومات أخرى لتحسين الأوضاع.

أما في مصر فجانب الجباية متعدد الأوجه، من ضرائب دخل ومبيعات وجمارك ودمغات ورسوم متنوعة مرتبطة بالخدمات نفسها، لكن الحصيلة تتجه إلى أولويات أخرى لا ترتبط بتأمين حياة الناس، بل يمكن أن تكون موجة لسرعة الإجهاز على تلك الحياة، من خلال شراء المزيد من الرصاص المطاطى والرصاص الحى والغاز الخانق وإنشاء سجون جديدة.

لتظل مشاكل حوادث الطرق والبطالة والفقر وتدهور الخدمات الصحية، وانقطاع المياه والكهرباء والمعاشات المتدنية، وبقاء ملايين الفقراء حتى اليوم بلا إعانات، بدعوى قلة المخصصات الكافية لمواجهة تلك المشاكل.

إلى جانب تعطيل الدستور الجديد، والمناداة بسحب الجنسية عن المعارضين، وحرق الكتب، والإعلام الذى يحمل وجهة نظر واحدة، والقضاء المسيس، والشرطة التى لا تجد رقيبا على تصرفاتها، والجيش المتدخل في الاقتصاد والسياسة، والقوانين المتوالية لكبت الرأى من منع للتظاهر وإحالة للمعاش لمن يُضرب عن العمل، والاتهام بالإرهاب شخصا كان أم كيانا.

حتى أصبح الاطلاع على الهوية في نقاط التفتيش المروية، لا يقتصر على الاطلاع على بطاقات الهوية وتفتيش حقيبة السيارة، بل يمتد إلى استعراض مضمون الهاتف الخاص أو جهاز الكمبيوتر، وامتد الحصار إلى الحساب الخاص على مواقع التواصل الاجتماعى، وتلفيق التهم المتعددة  لمن يجدون في  حساباتهم صورة لشعار رابعة أو صورة لرئيس سابق،  لا فرق في ذلك بين صغير وكبير، طفلا أو امرأة.

ومن الطبيعى ألا يساعد هذا المناخ على الإنتاج أو حتى على الرغبة في استمرار الإقامة بالبلد، ولهذا زاد السفر للخارج لمن استطاع إلى ذلك سبيلا، سواء بالسماح بالسفر أصلا، أو القدرة على تكاليفه، كما زادت حالات الانتحار، أما حالات الإحباط فهى الأكثر انتشارا.

ورغم ذلك يستمر القائمون على الأمور في تريد مقولات : نزاهة القضاء وعدم تدخلهم به، وحرية الرأى والإعلام المكفولة، إلى جانب تراجع معدلات البطالة عدة مرات في عهدهم، وزيادة معدلات النمو الاقتصادى، والاستثمارات الضخمة التى جاءوا بها.

وإذا كان هذا هو وضع المواطن العادى حاليا، فما بالنا بوضع المواطن الذى يحمل أفكارا، لا تتوافق مع النظام الحاكم منذ الثالث من يوليو 2013، إن الأمر أصبح  أكثر وحشية ودموية، بداية من إطلاق المطاطى والرصاص الحى، إلى القصف بالطائرات سواء كان ذلك بالميادين العامة بالمدن، أو بالقرى إلى جانب نسف البيوت وتجريف المزارع.

وما بين ذلك من اعتقال يتم تجديده تلقائيا، وحجز بأقسام الشرطة في ظل أوضاع غير إنسانية بالمرة، وتعذيب أفضى إلى موت البعض، وأحكام مشددة تتنافى مع نصوص قانون الطفل، لم يسبق اتخاذها من قبل تجاه الطلاب والطالبات في العقود الماضية، إلى جانب التنكيل بأساتذة جامعات وعمداء كليات ومسؤلين سابقين.

 واقتحام البيوت وتكسير محتوياتها، وسلب الأموال والمقتنيات، واقتياد الرهائن، والمحاكمات العسكرية للمدنيين، والفصل من العمل، وامتد الأمر إلى التحفظ على الأموال والشركات رغم تعارض ذلك مع نصوص قانون الاستثمار وتسببه في الإساءة لمناخ الاستثمار، والتحفظ على أموال الجمعيات الخيرية.

ولا يكفى حرق الأب المعارض أو قتل ابنته أو ابنه، بل يمتد الأمر لاعتقال آخرين من أبنائه، والغرامات الباهظة لأفراد أسر لا تجد قوت يومها، وحتى هذا أيضا لا يكفى فهناك التشويه الإعلامى، والاتهام بأبشع الاتهامات بصرف النظر عن مدى صحتها .
 
تلك هى صورة مصر الآن، افتقاد للأمن والأمان، وقمع واستبداد، وفشل متوالٍ في مواجهة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية المزمنة،  وتفاقم لحدة تلك المشاكل، وإضافة لمشاكل جديدة.