بقلم: د. عز الدين الكومي
لابد أن نعلم أن مسؤلية الظلم وعواقبه الوخيمة لا تقع فقط على الظالم، ولكن المسؤلية تمتد لتشمل دوائر أوسع، حيث تتوزع المسؤولية في الظلم بين الحاكم والوزارة والأمن والشعب، فالله سبحانه وتعالى حمّل مسؤولية ظلم فرعون إلى فرعون الحاكم وإلى الوزراء وإلى الجيش والأمن لأنهم اشتركوا مع الحاكم في ظلمه.
قال تعالى: (إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين)، وقد أرجع الله سبحانه وتعالى ظلم فرعون ووزارته وجنوده إلى الشعب الذي رضي بالظلم وأطاع الحاكم، قال تعالى: (فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين).
فالظلم ليس مسؤلية الحاكم فقط، بل يشمل الوزراء والجيش والشرطة والإعلام وخطباء السوء، ومن صفقوا ورقصوا وغنوا، والأحزاب والجماعات ومشايخ السبوبة، وكل من لم يتبرأ من الطغاة ومن أفعالهم، ولا يعفى أحد من المسؤلية مهما تذرع بحجج واهية، هى أوهى من خيوط العنكبوت، كقول البعض أنا عبد المأمور أو الحفاظ على مصلحة الشعب.
وعندما قرأت خبر تحويل المستشار زكريا عبدالعزير إلى لجنة الصلاحية، وكنا بالأمس سمعنا عن خبر تعيينه مساعدا للنائب العام، قلت هكذا تكون نهاية من يعين الظالمين على ظلمهم، والطريف أن تهمته هى الاشتغال بالسياسة والتحريض على اقتحام أمن الدولة، هو عندما تم تعيينه مساعدا للنائب العام لم يكن يعمل بالسياسة ولم يكن يحرض؟.
ولكنها ظهرت بعد التعيين، وعندما يقبل هؤلاء بمعاونة سلطات الإنقلاب كأنهم يعتقدون أنهم لا يساعدونهم فى تثبيت أركان نظامهم وإعانتهم على ظلمهم، خاصة فى مجال القضاء، والذى ظهرت كل سؤاته فى ظل النظام الانقلابى، وهذا حال كثيرين من أمثال زكريا عبد العزيز والهلباوى وحزب النور وغيرهم، والذين قال فيهم أهل العلم من أمثال:
قال ابن حجر الهيثمى فى كتاب "الزواجر عن اقتراف الكبائر" الكبيرة السادسة والسابعة، والثامنة والتاسعة، والأربعون والخمسون بعد الثلاثمائة، ظلم السلاطين والأمراء والقضاة والدخول على الظلمة والسعاية إليهم بالبطل، ثم قال: قال سعيد بن المسيب: لاتملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم لئلا تحبط أعمالكم.
وجاء خياط إلى سفيان الثورى -رحمه الله- فقال: إنى أخيط ثياب السلطان أفترانى من أعوان الظلمة؟ فقال له سفيان: بل أنت من الظلمة أنفسهم ولكن أعوان الظلمة من يبيع منك الإبرة والخيط.
ولما كان الإمام أحمد بن حنبل مسجونا في قضية خلق القرآن، سمعه السجان وهو يقول: أعوان الظّلَمة كلاب جهنم، فقال يا أبا عبد الله: وهل أنا من أعوان الظلمة؟، قال له: لا أعوان الظلمة من يطهون طعامك ويخيطون ثيابك أما أنت فمِن الظلمة أنفسهم.
وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- لما كان مسجونا، جاء إليه الجلاد، وقال: يا إمام أغفر لي فأنا مأمور، فقال له: لولا أنتم ما ظلموا.
فأعوان الظلمة يظنون أنهم لا إثم عليهم و ذنب بما يفعله الظالم وما يقترفه من جرائم يندى لها جبين البشرية حياءً، كما يفعل طغاة العرب، وهذا وهذا مرده للجهل بأحكام الشرع، وللأسف صار من أهم أعوان الظلمة التى لا يمكن للظالم أن يستغنى عنهم المؤسسات الدينية الرسمية المسلمة والمسيحية على حد سواء، وذلك لإصدار الفتاوى والتلاعب بها، فالله أمر بالعدل ولم يأمر بالظلم قال تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان..).
فإذا بأعوان الظلمة يؤيدون ما لا يريده الله على ما أمر به الله، وهذا بهتان مبين، وجرم عظيم وخلق ذميم، ومن كبائر المنكرات، دفعهم إليه حقد أعمى أو فُتات من حطام الدنيا، فيبيعون دينهم بدنيا غيرهم أو بدنيا حقيرة، وشهوة مثيرة، تاب سحرة فرعون وما تابوا، وهلك فرعون وقارون والنمرود وأبو جهل فما اعتبروا، وظنوا أنهم مخلدون وأن وجاهتهم مانعتهم من الله، وهم يعلمون أن الله توعد أتباع وأعوان زعيم الظلمة فرعون بسوء العذاب وأشده وبلا ونكالا.
وعن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: (خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أسمعوا سيكون بعدي أُمراء فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم وأعانهم على ظلمهم، فليس مني ولستُ منه وليس بواردٍ عليّ الحوض، وصدق الله تعالى إذ يقول: (وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُون).
نهيّ لم يتكرر في القرآن الكريم، وتفرّدت به هذه الآية من سورة هود، التي اشتملت على قصص سبعة أقوام يجمعهم وصفهم بالظلم والطغيان، وقد جاء النّهي عن الركون إلى الذين ظلموا في خواتيم سورة هود، بعد استعراض كافّة مشاهد الظلم والطغيان في السورة باختلاف تركيبة السلطة وهيكلية الاستبداد المتعلقة بكل قوم، ومعانى الركون لا تخرج عن أفعال قلبية وأفعال جارحة، أما القلبية منها فكانت بالميل والمحبة والرضا، وأما الجارحة فكانت بالسكوت.
والاشتراك بتزيين الظلم، والمداهنة للظالمين من زيارة ومصاحبة ومجالسة والحديث عنهم بالفضل، والاعتماد عليهم.
ومن عجائب برهامى وحزب النور والدعوة السلفية أنه يقول وبجرأة وبجاحة لا مثيل لهما أن الدعوة السلفية ساندت قائد عصابة الانقلاب فى بقاء الدولة، ولم تسانده فى الظلم والقتل، وأن الدعوة السلفية نهت قائد الانقلاب سرا وعلنا عن القتل والظلم، وهذا الكلام مضحك فعلا -وشر البلية مايضحك- حيث أن حزب النور والدعوة السلفية لعبا دورا كبيرا فى شرعنة الانقلاب ودعوة الناس وحشدهم على دستور العسكر وانتخاب الطاغية ودعم الظالمين الذين يوالون أعداء الإسلام، كما أنه أعان الظالم فى كل ما قام به من جرائم القتل والحرق والاغتصاب والاعتقال وتشريد الآلاف.
ومن السخافة الاستماع لمثل هذا الكلام، ألا يعلم هذا المتكلم أن نصرة الظالم كفه عن ظلمه لا تأييده، وأن نصرة المظلوم الوقوف بجواره وعدم التخلى عنه أو خذلانه، كما جاء فى حديث أنس رضى الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: أنصر أخاك ظالما أو مظلوما، قالوا: يا رسول الله ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما، قال: تأخذ فوق يديه".
وهذا كلام واضح وصريح في أنه لا يجوز بحال إعانة الظالم على ظلمه، خاصة في القتل، ولما سئل أحد العلماء أنه يؤمر بالقتل وأنه إن لم يقتل سيقتله سيده، فقال له ذلك العالم: ليس دمك بأغلى من دم الناس، وليس دم الناس بأرخص من دمك، لا يجوز لك أن تقتل مسلماً.
فالجندي الذي يؤمر بالقتل عليه أن يعتذر، وعليه أن يعلم أنه سيسأل يوم القيامة عن كل قطرة دم أمرئ مسلم، ولا يفيده جوابه بأنه كان مأموراً فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذا إبطال لنظرية العسكرى الغلبان.
وأنظر معي إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يقول: (صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا).
فإذا كان الضارب بالسوط لا يدخل الجنة وهو من أهل النار؛ فكيف بمن قتل؟؟
وإليك هذا الحديث أيضا، الذى ورد فى الظالمين وأعوانهم وأشباههم، عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين الظلمة وأعوان الظلمة وأشباه الظلمة حتى من برى لهم قلما أو لاق لهم دواة، فيجمعون فى تابوت من حديد ثم يرمى بهم فى جهنم).

