وائل قنديل

كاتب صحافي مصري

 

"إذا وقع خلاف بين رئيس أركان الجيش والرئيس، يذهب رئيس الأركان ويبقى الرئيس"... هذه المعادلة وضعها أحد أقرب أصدقاء الجنرال عبد الفتّاح السيسي وداعميه، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وذلك في العام 2017 حين شبّ خلاف بينه وبين رئيس الأركان، بيير دو فيلييه، حول ميزانية الجيش، وتبادلا التراشق بالتصريحات عبر وسائل الإعلام، وهو ما انتهى باستقالة (أو إقالة) رئيس الأركان في هدوء، من دون أن نسمع أن الرجل الأول في الجيش فكّر في الاستعانة بالخصوم السياسيين لرئيس الجمهورية لحشد الجماهير ضد الرئيس وإسقاطه.

 

تبدو المقارنة بين الحالة الفرنسية ومثيلتها المصرية عبثية من وجوه عدّة، لكن ذلك الموقف قفز إلى الذاكرة مع كلام السيسي أول أمس عما فعله مع الرئيس المدني المنتخب (الوحيد) في تاريخ مصر الحديث الدكتور محمّد مرسي، ومحاولة تبرير ما جرى من أحداث ودماء، بقوله: "لو الإخوان سكتوا في 2013 كنا عملنا انتخابات زي ما كنا مقرّرين وينزل فيها الله يرحمه الرئيس مرسي.. لو الشعب كانوا عاوزينه تاني اسكتوا، ولو ما نجحش خلاص، لكن ربنا يكفيكم شر عمى البصيرة". وفي موضع آخر قال: "مين اللّي ضرب النار ومين اللي ولَّع؟ البلد كانت تسعنا كلنا.. والله لو كانوا سكتوا وقالوا اعملوا انتخابات زي ما كنّا مقررين كان نزل فيها الله يرحمه الرئيس مرسي".

 

ينسف هذا الكلام كل الأكاذيب الرسمية والرئاسية التي راجت أكثر من 12 عامًا، ويسقط كل الادعاءات والافتراءات التي برّروا بها سجن الرئيس المنتخب والتنكيل به وحرمانه من العلاج والدواء، حتى سقط شهيدًا في قاعة المحكمة، وهو يشكو منع العلاج عنه للقضاة. فقد كانت الرواية المعتمدة طوال كل السنوات الفائتة أن الرئيس كان يتجسّس على مصر لصالح حركة حماس وقطر، وبالتالي، تحرّك الجيش لعزله لخطورته على الأمن القومي هو وفريقه الرئاسي.

 

السؤال الأهم: هل كان الجنرالات ينتظرون حقًّا من الرئيس و"الإخوان"، حتى ما قبل إعلان بيان الانقلاب عليه في 3 يوليو 2013، إعلان قبول انتخابات مبكّرة حتى يطلقوا سراح الرئيس المعتقل في دار الحرس الجمهوري، ويتركوا المعتصمين ضد الانقلاب عليه ليذهبوا إلى حال سبيلهم؟ السؤال بصيغة أوضح: هل اتُّخذ قرار عزل رئيس الجمهورية في 3 يوليو، أم قبل ذلك بأسابيع؟

 

أفضل من يجيب عن هذا السؤال أرشيف الصحافة الموالية للجنرالات. وهنا نقرأ مانشيت صحيفة الشروق يوم 25 يونيو 2013، أي قبل إعلان بيان الانقلاب على الرئيس بثمانية أيام، بعنوان أحمر ضخم: "الجيش استعدّ لمرحلة ما بعد مرسي". وفي التفاصيل، كتب رئيس التحرير، والنائب المعيّن فيما بعد بمجلس الشيوخ، والنائب في مجلس النواب الحالي من طريق قائمة حزب الجبهة الوطنية، عماد الدين حسين، ما يلي: "كشف مصدر سياسي كبير ومطّلع تفاصيل جديدة حول بيان الفريق أول عبد الفتّاح السيسي" (والمقصود بيان وزير الدفاع الذي يمهل فيه كل الأطراف، بما فيها رئيس الجمهورية، أسبوعًا قبل التصرّف). وبقية الخبر: "وأكّد المصدر أن السيناريو المتوقّع في حال غياب الرئيس هو تشكيل مجلس من ثلاثة أشخاص (مدنيَّين وعسكري)، والمدنيان أحدهما سيكون رئيس مجلس القضاء الأعلى، مع فترة انتقالية تتراوح بين عام ونصف عام. ويتم في الشهور الستة الأولى إعداد دستور، وبعد العام الأول يتم إجراء انتخابات نيابية، بحيث إنه عندما يتم انتخاب الرئيس الجديد يجد بلدًا يحكمه". وأضاف المصدر أنه يوجد تفكير في مجلس وزراء مصغّر من 17 وزيرًا مع رئيس وزراء بصلاحيات كاملة، إلى جانب عشرة من نواب رئيس الوزراء تتراوح أعمارهم بين الثلاثين والأربعين.

 

كان القرار متّخذًا وكل شيء جاهزًا بالفعل. كما أن سفك دماء المتظاهرين دفاعًا عن شرعية ديمقراطية جاءت بالرئيس كان قد بدأ مبكّرًا. ومن ثم يصبح كل الكلام عن انتظار موافقة "الإخوان" على انتخابات مبكّرة كي لا يُعزل الرئيس ويُقتل مؤيّدوه في مذبحة رابعة العدوية محض "حواديت"، تفترض فيمن يستمع إليها البلاهة والسذاجة.

 

لا بأس كذلك من التذكير بما ورد في أرشيف إعلام الرعاة الإقليميين لمشروع الجنرالات للانقلاب على الرئيس. وهنا تأتي صحيفة عكاظ السعودية، التي سبقت الأهرام الحكومية المصرية بثلاثة أيام، في التبشير والاحتفال بانقلاب وزير الدفاع على الرئيس المنتخب، فكتب رئيس تحرير "عكاظ" صباح الأحد 30 يونيو 2013: "العسكر يحكمون مصر لفترة قصيرة مؤقتة لا تتجاوز عامًا". وقد علّقتُ حينذاك بالقول إن هذا النوع من الأخبار ينتمي إلى حصص الإملاء أكثر بكثير ممّا يعتمد على الشطارة الصحفية والدأب المهني، بحيث يتحوّل كاتبه إلى حامل رسائل مُوجَّهة.

 

حتى بعد أن وقع الانقلاب وعُزل الرئيس وسُجن، لم يكن أحد من المنفّذين معنيًا بحقن دماء أو حفظ أرواح المعتصمين في ميادين مصر. وهنا تأتي شهادة محمد البرادعي، حين أعلن استقالته من منصبه نائبًا بالتعيين للرجل الذي منحه الجنرالات لقب "رئيس الجمهورية المؤقّت"، واسمه عدلي منصور. بيان استقالة البرادعي احتجاجًا على سفك الدماء تضمّن في الفقرة الخامسة منه: "ولكن للأسف، وبالرغم من التوصّل إلى تقدّم ملموس نحو فضّ الاحتقان بأسلوب الحوار، والذي استمر حتى يوم 13 أغسطس، فقد أخذت الأمور منحىً آخر تمامًا بعد استخدام القوة لفض الاعتصامات، وهو الأمر الذي كنت قد اعترضت عليه قطعيا داخل مجلس الدفاع الوطني، ليس لأسباب أخلاقية فقط، وإنما كذلك لوجود حلول سياسية شبه متفق عليها كان يمكن أن تنقذ البلاد من الانجراف في دائرة مفرغة من العنف والانقسام وما يترتب على ذلك من الانحراف بالثورة وخلق العقبات أمام تحقيقها لأهدافها".

 

يتساءل السيسي: "مين اللي ضرب النار ومين اللي ولّع؟" والإجابة (وفق هذا السياق) إنه هو نفسه الذي أطلق الرصاص وأحرق في ماسبيرو 2011، وفي اعتصامات مجلس الوزراء وشارع محمّد محمود. هو نفسه الذي قال الحقوقي النبيل، الراحل أحمد سيف الإسلام عبد الفتّاح، بعد مذبحة رابعة عنه إنه تعمّد أن تكون المجزرة بهذا الحجم البشع لكي ينهي عصر الجماهير إلى الأبد.

 

يبقى باعثًا على الدهشة أن يستدعي الجنرال عبد الفتّاح السيسي ذكريات الدم المسفوك لفضّ اعتصام رابعة العدوية في مناسبة ذكرى ثورة يناير.