سجلت الموازنة العامة المصرية تحولاً هيكلياً بالغ الخطورة بوصول أعباء الديون إلى 63.9 في المائة من إجمالي الإنفاق العام للعام المالي 2026/2027، بعدما التهمت فوائد القروض وأقساطها المساحة التمويلية المخصصة للخدمات الأساسية والتنمية، في ظل سياسات اقتراضية متسارعة قادت إلى تقليص الحقوق المعيشية للمواطنين.
​
​
ويأتي هذا الاختناق المالي الحاد مع حصر وزارة المالية 36 في المائة فقط من موازنة تبلغ 8.2 تريليون جنيه لباقي القطاعات، ليدفع المجتمع فاتورة مشروعات غير ذات أولوية توسع فيها نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي منذ يوليو 2013، مستنزفاً 12.3 تريليون جنيه كفوائد دائنين أجانب ومحليين.
​
​


انقلاب أولويات الإنفاق وتصاعد أعباء الديون
​
​
وبالعودة إلى الحسابات الختامية السابقة، يظهر التفاوت الصارخ بمقارنة العام المالي 2009/2010 الذي استحوذ فيه الدعم على 26 في المائة والأجور على 22 في المائة من الإنفاق، بينما لم تتجاوز فوائد الديون 18 في المائة، والأقساط أقل من 7 في المائة، موفرة مساحة مالية بلغت 75 في المائة.
​
​
وفي المقابل، أحدثت السياسات المتبعة منذ تمكين الجيش من مقاليد الحكم تبدلاً جذرياً في توزيع المخصصات، إذ قفزت فوائد القروض إلى الترتيب الأول في الموازنة منذ العام المالي 2016/2017، متصاعدة من أقل من 25 في المائة في العام الأول لتولي السلطة إلى 49 في المائة بحلول العام المالي 2024/2025.
​
​
وعلى صعيد متصل، تصاعدت أزمة سداد أقساط الديون المحلية والخارجية لتنتقل سريعاً من المركز السابع أواخر عهد مبارك إلى المركز الأول في ثاني أعوام الحكم الحالي، رافعة نصيبها النسبي من 11 في المائة إلى 29 في المائة عام 2024/2025، لتتجاوز 34 في المائة في موازنة العام المالي 2026/2027.
​
​
واستناداً إلى هذه المؤشرات المالية، احتكرت الفوائد والأقساط المركزين الأول والثاني بالتناوب على مدار 8 سنوات متتالية منذ العام المالي 2019/2020، لتستنزف مجتمعة 63.9 في المائة من الإنفاق العام، وهو ما فرض تقليص بنود الاستثمارات الحكومية إلى أقل من 7 في المائة، وحصر أجور الموظفين عند 10 في المائة.
​
​
ويرى الباحث الاقتصادي المتخصص في الموازنة ممدوح الولي أن استمرار تغول أعباء الاستدانة على أبواب الموازنة الـ 8 يعكس خللاً بنيوياً مدمراً، بعدما قيدت الديون يد وزارة المالية وحرمت الاقتصاد الإنتاجي من الموارد الحيوية، مؤكداً أن توجيه الحصيلة نحو مشروعات استعراضية أجهض أي إمكانية لتحقيق التنمية وتلبية متطلبات المواطنين.
​


​
انفجار الدين وتجميد الاستحقاقات المالية
​
​
وبالتوازي مع تفاقم الاقتراض، أظهرت البيانات الرسمية تبديد 12.3 تريليون جنيه كفوائد ديون حكومية خلال 14 عاماً من عمر النظام الحاكم دون أن يلمس المواطن أي عائد تنموي، إذ ذهبت تلك السيولة الضخمة بالكامل لمصلحة حائزي أدوات الدين والبنوك الدائنة، بدلاً من تخصيصها للارتقاء بالخدمات المتردية.
​
​
علاوة على ذلك، واصل إجمالي دين أجهزة الموازنة العامة قفزاته القياسية متصاعداً من أقل من 7 تريليونات جنيه بمنتصف عام 2022 إلى 9.6 تريليون في العام التالي، ثم إلى 12.5 تريليون بمنتصف 2024، وحوالي 15 تريليوناً في 2025، وصولاً إلى 17.85 تريليون جنيه بحلول مارس من عام 2026.
​
​
ونتيجة لهذه الدوامة التمويلية، يجد وزير المالية نفسه مضطراً لتقديم خدمة الدين على كافة الالتزامات لضمان تسويق أذون وسندات الخزانة، مما تسبب في شلل واسع طال 4.666 مليون موظف حكومي حُرموا من أجور تجابه الغلاء، مع تجميد تثبيت العمالة المؤقتة ووقف التعيينات بقطاعي التعليم والصحة.
​
​
وفي سياق متصل، انعكس عجز بنود السلع والخدمات باحتجاز مستحقات المقاولين وتأخير سداد فواتير الموردين، مما أدى إلى تعثر أنشطتهم وعجزهم عن دفع رواتب العمال، فضلاً عن إجبار المرضى على شراء المستلزمات الطبية بالمستشفيات الحكومية وتحمل المواطنين نفقات لجان المعاينات الرسمية.
​
​
كما تسبب شح المخصصات الموجهة للصيانة والتشغيل في تراجع حاد بمستويات النظافة والمرافق الحكومية، مترافقاً مع تهالك وسائل الانتقال وتعطيل مشروعات المدارس والمستشفيات جراء تقليص الاستثمارات لما دون 7 في المائة، وإهمال دراسات الجدوى، مما كرس تدهور مباني الشهر العقاري والخدمات.
​
​
ويؤكد أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة الدكتور جودة عبد الخالق أن إخضاع المالية العامة لخدمة الدين يعطل وظيفة الدولة التنموية تماماً، موضحاً أن التوقف عن سداد مستحقات الموردين وتجميد التوظيف يحدث ركوداً يضرب الإنتاج، ومشيراً إلى أن استنزاف الإيرادات يدخل البلاد في حلقة عجز مستمرة.
​


​
تقليص الدعم وفرض الجبايات الحكومية

 

ومن تداعيات ذلك الانكماش، تجمدت منظومة الدعم بحرمان المواليد الجدد من القيد منذ عام 2005 رغم تكرار وعود رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، مع تثبيت نصيب الفرد عند 50 جنيهاً منذ منتصف 2017، مما قلص كميات السلع الموزعة بعد زيادات أسعار الزيت والسكر.
​
​
وبالإضافة إلى ذلك، برزت مخصصات هزيلة لبرنامج تكافل وكرامة بحصول الأسرة ذات الطفلين على 648 جنيهاً شهرياً، وتقديم 125 جنيهاً للابتدائي و156 للإعدادي و219 للثانوي، بينما يقف معاش الأرملة عند 705 جنيهات، دون مضاهاة خط فقر الفرد البالغ 856 جنيهاً عام 2019/2020.
​
​
وفي مقابل التراجع في الإنفاق الخدمي، لجأت السلطات إلى تصعيد الضغوط الجبائية عبر تحريك أسعار الوقود والكهرباء مرات متتالية، وتقليص الإعفاءات الضريبية على السلع، وصولاً إلى إلغاء الخدمات المجانية بالقطاعات الإدارية وإخضاع كافة معاملات المواطنين للرسوم المتصاعدة.
​
​
ومن جانب آخر، توالت الزيادات المرهقة في رسوم وزارتي الداخلية والعدل، وتضاعفت تكاليف تراخيص السيارات واستخراج جوازات السفر والأحوال المدنية، فيما فرض المحافظون رسوماً إضافية لتغطية عجز الموازنة الناتجة عن توجيه 2.420 تريليون جنيه لسداد فوائد القروض بالعام المالي الحالي.
​
​
ويشير أستاذ الاقتصاد السياسي بالجامعة الأمريكية الدكتور عمرو عادلي إلى أن تحويل عجز الموازنة إلى جبايات ورسوم متكررة يفكك العقد الاجتماعي، مؤكداً أن تحميل الطبقات الفقيرة تكلفة ديون استهلاكية لم تستشر فيها يفاقم الركود ويدفع ملايين المواطنين إلى دوائر العوز.
​
​
وبناءً على هذه التطورات المتسارعة، تستمر الموازنة في فقدان دورها كأداة للعدالة الاجتماعية، لتتحول إلى آلية لجباية الموارد وتحويلها إلى الدائنين، وسط توقعات باستمرار تصاعد الأعباء المعيشية في ظل التوسع بالاقتراض الحكومي دون كوابح تنموية عادلة.