قفزت التكلفة التقديرية لفاتورة استيراد الغاز الطبيعي المسال إلى مصر خلال شهر نوفمبر الحالي بنحو 185% على أساس سنوي، مسجلة 2.21 مليار دولار نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية وتفاقم التوترات البحرية.
وتأثرت أسواق الطاقة الدولية منذ شهر سبتمبر الماضي باندلاع الحرب الأمريكية الإيرانية التي عطلت سلاسل الإمداد العالمية، ما فرض أعباء تمويلية غير مسبوقة على الموازنة العامة المصرية لتأمين الوقود اللازم.
تضاعف تكلفة شحنات الغاز المستورد
وفي هذا الإطار، أكد مصدر مسؤول بوزارة البترول المصرية أن قيمة الشحنة الواحدة من الغاز المسال بلغت نحو 100 مليون دولار، مقارنة بنحو 35.2 مليون دولار خلال الشهر ذاته من العام الماضي.
كما أوضح المصدر الحكومي أن متطلبات السوق تستلزم شراء ما يقرب من 22 شحنة شهرياً، بحمولة تناهز 150 ألف متر مكعب لكل ناقلة، لتغطية العجز المتسارع في الشبكة القومية للغاز.
ومن جهته، يرى الدكتور إبراهيم زهران، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن القفزة الكبيرة في أسعار الشحنات تعكس ارتهاناً خطيراً لتقلبات البورصات العالمية، نتيجة غياب التحوط المالي المسبق في العقود الآجلة لتوريد الوقود.
وبالإضافة إلى ذلك، يلفت خبير هندسة البترول إلى أن تكلفة الشحن البحري تضاعفت بمعدلات قياسية، بسبب تصاعد المخاطر العسكرية في الممرات المائية الحيوية، ما رفع رسوم التأمين على الناقلات المتجهة نحو الموانئ.
وعلاوة على ذلك، أشار المصدر النفطي إلى إمكانية تقليص الفاتورة عبر خفض عدد الشحنات المستوردة، والاعتماد الجزئي على المازوت لتشغيل محطات توليد الكهرباء التقليدية بدلاً من استخدام الغاز الطبيعي الأعلى كلفة.
وفي المقابل، تؤدي العودة إلى حرق المازوت بكثافة داخل المحطات الكهربائية إلى تفاقم الانبعاثات الكربونية الضارة، فضلاً عن تسريع وتيرة الأعطال الفنية في التوربينات البخارية، وزيادة تكاليف الصيانة الدورية بشكل كبير.
وبناءً على ذلك، تبنت الحكومة خطة عاجلة لترشيد الإنفاق العام وتقليص استهلاك الطاقة بالمؤسسات الرسمية، سعياً لكبح النزيف الدولاري الناجم عن تدبير المليارات شهرياً لتسديد تكاليف شحنات الغاز المتعاقد عليها خارجياً.
غير أن تلك السياسات المالية التقشفية تصطدم بارتفاع التزامات الديون الخارجية، ما يضع قيوداً صارمة على قدرة البنك المركزي المصري في توفير العملة الصعبة اللازمة لتمويل استيراد شحنات الطاقة بانتظام مستمر.
وبالتالي، تفرض هذه الفاتورة الاستيرادية الضخمة ضغوطاً متزايدة على قيمة الجنيه المصري، الأمر الذي يعزز الموجات التضخمية في الأسواق المحلية ويثقل كاهل المواطنين بمزيد من الأعباء المعيشية في قطاعات حيوية متعددة.
فجوة الاستهلاك ومصادر سد العجز
وفي سياق متصل، اتسعت فجوة إمدادات الغاز الطبيعي لتصل إلى نحو 3.3 مليار قدم مكعب يومياً، بالتزامن مع بلوغ متوسط الاستهلاك المحلي نحو 7 مليارات قدم مكعب يومياً في مطلع الشهر.
ومن ناحية أخرى، تراجع الإنتاج المحلي من حقول الغاز الطبيعي المصرية إلى نحو 3.7 مليار قدم مكعب يومياً، مما جعل الفجوة القائمة بين حجم المعروض الفعلي وحاجة الاستهلاك تتجاوز حاجز 47%.
وتعمل وزارة البترول وفق خطتها الراهنة على تغطية هذا العجز الحاد عبر مسارين؛ يقوم أولهما على استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل بكميات تقترب من مليار قدم مكعب يومياً عبر شبكة خطوط الأنابيب.
في حين يركز التوجه التنفيذي الثاني على توسيع واردات الغاز الطبيعي المسال المحمول بحراً، لتأمين كميات إضافية تعادل نحو 2.3 مليار قدم مكعب يومياً، عقب خضوع الشحنات لعمليات المعالجة وإعادة التغويز المتخصصة.
ومن جانبه، يوضح الدكتور رشاد عبده، الخبير الاقتصادي الدولي ورئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية، أن الاعتماد الكثيف على الغاز القادم من إسرائيل يحمل مخاطر استراتيجية بالغة، في ظل الاضطرابات السياسية الإقليمية المتواصلة.
ويضيف أستاذ الاقتصاد أن تعليق ضخ الغاز أو خفضه لأسباب طارئة يهدد بانهيار التوازن في الشبكة الداخلية، مما يظهر هشاشة البنية التشغيلية المرتبطة بمصادر أحادية يصعب التحكم الكامل في استقرار تدفقاتها اليومية.
وفي غضون ذلك، أعلنت السلطات التنفيذية تقليص إمدادات الغاز الموجهة لمصانع الأسمدة بنسبة بلغت 20%، لتحويل تلك الكميات نحو محطات توليد الكهرباء التي تعاني نقصاً حاداً في الوقود المشغل للتوربينات.
وبناءً على هذه القرارات، تكبد قطاع تصنيع الأسمدة خسائر إنتاجية مباشرة، أدت إلى تراجع الصادرات الصناعية وانخفاض العوائد النقدية بالعملات الأجنبية، تزامناً مع ارتباك عمليات التوريد إلى الجمعيات الزراعية المحلية.
وعلى هذا الأساس، تسببت قيود إمداد المصانع في اشتعال أسعار الأسمدة بالأسواق الزراعية، الأمر الذي يهدد بارتفاع تكلفة الإنتاج الزراعي ورفع أسعار المحاصيل الغذائية الأساسية أمام المستهلكين خلال المواسم القادمة.
خطط الاستيراد وتحديات الإنتاج المحلي
وفي هذا السياق، تسعى وزارة البترول مع الشركاء الأجانب إلى تسريع برامج تنمية الآبار الجديدة وربطها بالإنتاج، لتعويض التراجع الطبيعي في إنتاجية الحقول القائمة وتقليص الاعتماد المتزايد على الواردات.
بيد أن التوجه الحكومي الرسمي يستهدف مواصلة استيراد شحنات الغاز الطبيعي المسال لسنوات ممتدة حتى عامي 2029 و2030، ما يعكس استمرار الفجوة الطاقية لمدى زمني متوسط يتطلب تمويلاً منتظماً.
وتعتمد القاهرة في استقبال الشحنات على 3 سفن مخصصة لإعادة التغويز، إلى جانب الاستفادة من الطاقة الاحتياطية للسفينة الرابعة الراسية بالأردن، تنفيذاً لبنود اتفاقية التعاون المشترك المبرمة بين البلدين.
وتصل القدرة التشغيلية الإجمالية لسفن إعادة التغويز الـ 3 إلى 2.75 مليار قدم مكعب يومياً، لتأمين تدفق الغاز المسال المعالج بصورة منتظمة داخل الشبكة القومية وتلبية احتياجات التوليد الصناعي والمنزلي.
ولا تشمل تلك الحسابات التشغيلية السفينة "إنرجيوس وينتر" التي خرجت عن الخدمة تماماً، إثر تعرضها لحادث حريق بميناء دمياط في أواخر شهر يوليو الماضي، مما فرض ضغوطاً إضافية على القدرات المتبقية.
ومن ناحيته، يؤكد المهندس وائل النشار، خبير استراتيجيات الطاقة ورئيس جمعية تنمية الطاقة، أن تراجع معدلات الإنتاج ناتج عن تراكم مستحقات الشركات الأجنبية، مما دفعها لإبطاء عمليات الحفر والتنقيب التنموي.
ويشير خبير الطاقة إلى أن الاعتماد طويل الأمد على سفن التغويز المستأجرة يمثل هدراً مالياً واستنزافاً لاحتياطيات النقد، خاصة في ظل انتهاء العمر الافتراضي لعدد من الآبار دون تعويضها باكتشافات جديدة.
وبالإضافة إلى ذلك، توضح التحليلات الفنية أن وتيرة ربط الحقول الجديدة تسير ببطء شديد لا يتناسب مع معدلات الهبوط الطبيعي لحقل ظهر، الذي فقد جزءاً كبيراً من طاقته الإنتاجية القصوى.
وتبعاً لذلك، تواجه السياسات الحكومية في قطاع الطاقة مأزقاً هيكلياً ممتداً، يفرض على الموازنة العامة مواصلة الاقتراض الخارجي لتأمين تدفقات الغاز اليومية وتفادي أزمات انقطاع الكهرباء المتكررة في أنحاء البلاد.

