تتصاعد وتيرة الإضرابات داخل السجون المصرية احتجاجا على الممارسات القمعية المستمرة من قبل إدارات السجون وضباط الأمن الوطني، مما يولد موجات غضب جديدة تدفع المعتقلين لمواصلة احتجاجاتهم المشروعة، وانضمام معتقلين جدد لرفض هذه السياسات القاسية.
تتركز الأزمة الحالية داخل سجن بدر الممتد على مساحة 85 فدانا، والذي صمم ليكون بديلا لسجن العقرب شديد الحراسة، وسط محاولات رسمية لتجميل صورته، رغم الانتهاكات الموثقة بحق مواطنين مارسوا حقهم في التعبير السلمي ومناهضة الاستبداد.
انتهاكات متصاعدة داخل مجمع سجون بدر
في سياق متصل، يضم مجمع بدر 4 سجون رئيسية، تم تخصيص 3 منها للرجال وسجن للنساء، حيث جُمعت القيادات الكبرى بالقطاع الثاني في سجن بدر 3، والذي يشهد إضرابات متواصلة رفضا للحرمان المستمر.
علاوة على ذلك، يمتد الحرمان طوال 8 سنوات متتالية، ليحرم المعتقلون من حقوقهم الأساسية كالتريض والرعاية الطبية، بهدف تعمد تركهم فريسة للأمراض القاتلة، في ظل تجاهل تام للوائح السجون والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
بالتزامن مع هذه الإجراءات، وقعت أحداث قمعية يوم 4 نوفمبر الماضي في القطاع الأول، إثر حملة تأديب شنتها إدارة السجن ضد المضربين، تخللها إغراق الزنازين بالمياه، واقتياد المعتقلين بملابسهم الداخلية بعنف شديد لغرف التأديب.
من جانبه، يوضح الباحث الحقوقي بمركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان أحمد العطار أن سياسة العقاب الجماعي تمثل جريمة تعذيب ممنهجة، مشيرا إلى أن الأمن الوطني يعتمد العنف المفرط لكسر إرادة المضربين داخل السجون.
بناء على ذلك، تبرز أزمة الصحفي أحمد سبيع، عضو نقابة الصحفيين المعتقل منذ 6 سنوات بلا تهمة، والذي تعرض لاعتداء بدني وعوقب بالحبس الانفرادي مع حرمانه من الأدوية، ضمن سلسلة انتقامية تستهدف ترويع الكلمة الحرة.
استهداف ممنهج للصحفيين وتكميم للأفواه
استمرارا لسياسة القمع، يمثل الاعتداء على الصحفيين داخل محبسهم ردا انتقاميا على حملات التضامن الواسعة التي قادتها نقابة الصحفيين وعشرات المنظمات الحقوقية، تنديدا بمداهمة موقع متصدقش واعتقال 6 من العاملين فيه خلال الفترة الأخيرة.
إلى جانب ذلك، طالت الإجراءات التعسفية موقع مدى مصر عبر إغلاقه ومحاكمة رئيس تحريره، حيث يتبنى جهاز الأمن الوطني موقفا متصلبا ضد الحريات، معتقدا أن أي هامش يهدد قبضته الأمنية ويفضح ممارساته المتسلطة.
بينما يدعو قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي لفتح الإعلام وعقد مؤتمر مطلع شهر ديسمبر المقبل، يسلك الأمن الوطني طريقا معاكسا تماما، ليواصل عدوانه الشرس على حرية الصحافة والمؤسسات الإعلامية المستقلة بكافة الوسائل المتاحة.
بالتوازي مع هذه التناقضات، ارتفع عدد الصحفيين المعتقلين إلى 46 إعلاميا خلف القضبان، تزامنا مع استمرار مداهمة المقرات الصحفية، في انتهاك صارخ للمادتين 70 و 71 من الدستور اللتين تضمنان استقلال الصحافة وحمايتها.
نتيجة لذلك، ظلت النصوص الدستورية مجمدة منذ عام 2014، ليتواصل إغلاق المواقع وفرض إعلام الصوت الواحد، ما دفع ثلة من الصحفيين لتأسيس منصات مستقلة لرفع سقف النقد ومواجهة التضليل الحكومي المستمر بشجاعة تامة.
بدوره، يرى أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة الدكتور حسن عماد مكاوي أن الأجهزة الأمنية تخشى الصحافة الاستقصائية المستقلة، مؤكدا على أن رفض منح التراخيص للمواقع يهدف لإبقائها تحت سيف التهديد الدائم والابتزاز المستمر.
تراجع مؤشرات حرية الصحافة دوليا
في غضون ذلك، سعت الحكومة المصرية لعقد منتدى مصر الأول لعرض إنجازاتها خلال 13 عاما الماضية، محاولة تجميل صورتها وإخفاء الأرقام الحقيقية التي تفضح حجم الانهيار الاقتصادي والسياسي الذي تعيشه البلاد حاليا.
من ناحية أخرى، رأت الأجهزة الأمنية ضرورة تطهير الساحة من الصحافة المستقلة قبل انعقاد المنتدى، لتجعل من إغلاق موقعين صحفيين وسيلة لترهيب بقية القنوات، لضمان عدم تعكير صفو السلطة وتمرير سرديتها الأحادية.
وفقا للتقارير، تتبوأ مصر المركز 169 عالميا من بين 180 دولة على مؤشر حرية الصحافة، لتقبع في المنطقة السوداء ضمن الدول الأكثر قمعا للصحفيين، مما يعكس حقيقة الأوضاع المتردية للحريات العامة داخليا.
بناء على هذه الأرقام، صنفت منظمة مراسلون بلا حدود قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي كعدو للصحافة، في خطوة تعكس حجم الانتهاكات الجسيمة التي تمارسها السلطات لردع كشف الحقائق أو توجيه النقد الحر.
على صعيد متصل، يوضح أستاذ القانون الدولي الدكتور محمد محمود أن استمرار السياسات القمعية سيؤدي لعزلة متزايدة، لافتا إلى أن التقارير الحقوقية توثق بدقة كل الانتهاكات المرتكبة بواسطة الأجهزة الأمنية ضد الصحفيين.
ختاما لهذه التطورات، تتوقع الأوساط الحقوقية تراجعا إضافيا لمصر في مؤشر حرية الصحافة المقرر إصداره خلال شهر مايو المقبل، ليصبح دليلا جديدا على إصرار النظام الحاكم لسحق مساحات التعبير وتكريس الاستبداد المطلق.

