أشعل قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب القاضي بوقف المساعدات العسكرية لإسرائيل حالة واسعة من التوجس داخل الأوساط السياسية في القاهرة، بشأن مصير المعونة الأميركية السنوية لمصر والبالغة 1.5 مليار دولار، في ظل تزايد المخاوف من ارتهان التمويل للتقلبات الخارجية، ووسط تصاعد التساؤلات حول جدوى الاعتماد العسكري والاقتصادي المستمر.
وتضع هذه التحولات إدارة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي أمام معضلة استراتيجية حقيقية لتدبير متطلبات التسليح والصيانة، لاسيما أن الدعم المقدم لا يمنح الخزانة المصرية سيولة نقدية مباشرة، بل يعود معظمه لتمويل شركات السلاح الأميركية، الأمر الذي يعزز من وطأة الضغوط الهيكلية الراهنة على الاقتصاد الوطني المتأزم.
قيود التمويل الأميركي ومصالح الشركات
وفي تفاصيل المخصصات المالية الحالية، تظهر تقارير وزارة الخارجية الأميركية ومركز أبحاث الكونغرس رصد 1.5 مليار دولار لمصر، تتوزع بين 1.375 مليار دولار للتمويل العسكري الأجنبي، و125 مليون دولار كمساعدات اقتصادية، متضمنة زيادة في الشق العسكري قدرها 75 مليون دولار عن الرقم الثابت منذ عقود.
وبناءً على الآلية المعتمدة، تحرم الموازنة العامة المصرية من استلام هذه الأموال بصورة تدفقات نقدية، نظراً لتوجيهها إجبارياً لشراء منظومات عتاد وتدريب وخدمات دعم فني من مصانع السلاح في الولايات المتحدة، مما يجعل المعونة دورة مالية مغلقة تسترد واشنطن معظم قيمتها لتنشيط مبيعات شركاتها الدفاعية الكبرى.
من جانبهم، يوضح خبراء عسكريون أن هذه المنظومة تفرض قيوداً مشددة على الجيش المصري من خلال ربط تسليحه بعقود صيانة وقطع غيار وذخائر أميركية مستمرة، معتبرين أن ذلك يقلص من استقلالية القرار العسكري، ويجعل الجاهزية الدفاعية رهينة لموافقات وتوازنات سياسية تصدر من واشنطن بصورة دورية.
علاوة على ذلك، يشير المحللون إلى التباين الجوهري بين أموال المنحة وبرامج المبيعات العسكرية الخارجية، والتي برزت مؤخراً عبر توجه القاهرة لإبرام صفقات أسلحة ضخمة تصل قيمتها إلى 12 مليار دولار وفق اتفاق مبدئي وُقع في أكتوبر 2023، خاضعاً لمراجعات معقدة داخل أروقة الكونغرس خلال المرحلة المقبلة.
وفي تشخيصه للعائد الحقيقي، يؤكد مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير معصوم مرزوق تضاؤل المردود الفعلي، لافتاً إلى أن ما لا يقل عن نصف المعونة يعود لواشنطن، بينما يذهب ربعها كعمولات لوسطاء صفقات السلاح، ولا يتبقى سوى ربع مليار دولار لعتاد مجرد من البرمجيات التكنولوجية المتقدمة.
فخ الارتهان وتراجع العوائد التنموية
تاريخياً، ارتبط تدفق المساعدات بموافقة النظام المصري على توقيع معاهدة السلام مع تل أبيب عام 1979 لترسيخ التوازنات الإقليمية، حيث بدأت الحزمة بتمويل ضخم ناهز 4.5 مليار دولار مقسمة بين التنمية والجيش، قبل أن يشهد الشق الاقتصادي تقليصاً متواصلاً انتهى إلى تلاشيه التام لحساب الدعم العسكري.
واتصالاً بهذا التحول الهيكلي، استقر الدعم العسكري عند مستوى 1.3 مليار دولار سنوياً منذ عام 1987، مما حول البرنامج من أداة دعم اقتصادي مفترضة إلى قناة تمويل أمني مكرسة لخدمة المصالح المشتركة بين البلدين، على حساب دعم خطط التنمية الشاملة التي كان يحتاجها المجتمع المصري بشدة.
بالتوازي مع ذلك، يوضح السفير معصوم مرزوق تفاقم أزمة التبعية في ظل عجز الموازنة وتراكم الديون الخارجية التي باتت تلتهم أكثر من ثلثي الناتج المحلي الإجمالي، مؤكداً أن هذا العبء المالي المفرط يشل قدرة الدولة على تلبية التزاماتها الأساسية، ويمتد ليهدد توفير رواتب العاملين في الجهاز الإداري الحكومي.
وفي هذا الإطار، يرى أستاذ الاقتصاد السياسي بجامعة الإسكندرية كمال نجيب الجندي أن الرأسمالية المصرية تشكلت بتوافق مع السياسات الأميركية منذ سبعينيات القرن الماضي، معتبراً أن المساعدات عززت نفوذ شبكات مصالح أمنية وتجارية خاصة تقتات على العلاقات مع واشنطن وتستفيد من ترتيبات السلام الإقليمي لتأمين مكاسبها الفئوية الضيقة.
وبالنظر إلى الأبعاد الجيوسياسية، يؤكد مراقبون أن استمرار التدفق الأميركي لا ينطلق من دعم الشعب المصري، بل يستهدف تأمين مصالح واشنطن الاستراتيجية الحيوية، والمتمثلة في حماية معاهدة كامب ديفيد، وضمان العبور العسكري السريع عبر قناة السويس، وتوظيف وساطة القاهرة الأمنية لإدارة ملفات المنطقة الشائكة وعلى رأسها قطاع غزة.
هشاشة البدائل وتحديات السيادة الوطنية
وعلى صعيد المخاطر المستقبلية، ينبه الدكتور كمال نجيب الجندي إلى أن إعلان ترامب يثبت أن تدفق المعونات ليس التزاماً ثابتاً للأبد، لافتاً إلى افتقار القاهرة لمذكرة تفاهم عشرية ملزمة بقيمة 38 مليار دولار كتلك التي تحمي إسرائيل، مما يجعل التمويل السنوي المصري عرضة للتقلبات الحزبية وتغير الأولويات داخل واشنطن.
ويستطرد الجندي موضحاً أن أي تعليق مفاجئ للمساعدات سيضع المؤسسة العسكرية أمام تحديات جسيمة، ليس بفقدان العتاد القائم ولكن بتحمل تكاليف الصيانة وقطع الغيار الباهظة من الموازنة الشحيحة، مما يفرض على صانع القرار تدبير نقد أجنبي بديل لدعم الجاهزية الفنية للأسلحة في توقيت يعاني فيه الاقتصاد اختناقاً حاداً.
وفي المقابل، تتفاقم الأزمة الداخلية بعد لجوء الحكومة لسياسات تقشفية قاسية شملت خفض استهلاك الوقود بنسبة 30% والكهرباء بنحو 20% وتجميد المشروعات الجديدة، الأمر الذي يعكس عمق الاختناق المالي وعجز السلطة عن إيجاد حلول جذرية تنهي الاعتماد الخارجي أو تخفف الأعباء التضخمية عن كاهل المواطنين المنهكين.
ومن هذا المنطلق، يرى خبراء الاقتصاد السياسي أن الارتهان لاشتراطات صندوق النقد والبنك الدوليين يقيد قدرة الدولة على بناء نموذج تنموي مستقل، مشددين على أن تفادي التهديدات الأميركية يتطلب تشييد قاعدة إنتاجية تصنيعية وزراعية صلبة تعيد تفعيل الموارد الوطنية المعطلة وتنهي سياسات الاستدانة المرهونة بالخارج.
كما يربط متخصصون تجاوز هذه التحديات بضرورة إنهاء الاستقطاب السياسي الداخلي وتحقيق توافق وطني حقيقي، مؤكدين أن بناء جبهة داخلية متماسكة يمثل الضمانة الوحيدة لإدارة مقدرات البلاد وفق أولويات شعبية عادلة، تصون السيادة الوطنية وتحمي القرار السياسي والعسكري من الخضوع المستمر للضغوط والمساومات الدولية.
وخلاصة القول، تبقى المعونة الأميركية سيفاً مصلتاً على القرار الوطني في ظل غياب استراتيجية إنتاجية بديلة، إذ تفرض الهشاشة الاقتصادية استمرار التبعية لواشنطن، بينما يؤكد الواقع أن استرداد استقلالية التسليح والسياسة الخارجية يظل مشروطاً بإصلاح اقتصادي هيكلي شامل وتحرير الإرادة الوطنية من الوصاية الخارجية.

