قبل أكثر من قرن، تعلّم مروّض الأسود كلايد بيتي درساً بالغ الأهمية، يمتد تأثيره إلى جوانب كثيرة من حياتنا حتى اليوم. ويوضح جيمس كلير، الكاتب المتخصص في العادات واتخاذ القرارات والتطوير المستمر، كيف يمكن لقصة هذا المروّض أن تكشف لنا سر تحسين التركيز، وزيادة القدرة على الانتباه، واتباع أسلوب حياة أكثر صحة.


وفي مقال نشره على موقعه الإلكتروني، يستعرض كلير تجربة كلايد بيتي، الذي واجه الأسود والحيوانات المفترسة داخل حلبة السيرك، ونجح في البقاء على قيد الحياة حتى تجاوز الستين من عمره، في وقت كان معظم مروّضي الأسود يفقدون حياتهم داخل الحلبة. ولم يكن السر في شجاعته وحدها، بل في فكرة بسيطة غيّرت طريقة تعامله مع الحيوانات المفترسة، ويمكن أن تساعدنا أيضاً على تجاوز التشتت واتخاذ القرارات.

 


كلايد بيتي.. مروّض الأسود الذي نجا من الموت


وُلد كلايد بيتي في مدينة بينبريدج بولاية أوهايو الأمريكية عام 1903. وعندما كان مراهقاً، غادر منزله للانضمام إلى السيرك، حيث بدأ العمل في تنظيف أقفاص الحيوانات. وخلال السنوات التالية، صعد سريعاً من عامل بسيط في السيرك إلى فنان استعراضي شهير.


واشتهر بيتي بعرضه المعروف باسم «القتال»، الذي كان يروّض خلاله الحيوانات البرية الشرسة. وفي إحدى فقرات العرض، كان يُدخل الأسود والنمور وأسود الجبال والضباع إلى حلبة السيرك في وقت واحد، ثم ينجح في إخضاعها جميعاً.


لكن الإنجاز الأكثر إثارة للإعجاب تمثل في نجاته من مصير معظم مروّضي الأسود في عصره. فقد عاش بيتي حتى تجاوز الستين، ولم يفقد حياته بين أنياب أسد، بل توفي بسبب مرض السرطان.


فكيف نجح في البقاء على قيد الحياة؟ يكمن السر في فكرة بسيطة؛ إذ كان من أوائل مروّضي الأسود الذين أدخلوا كرسياً إلى حلبة السيرك.

 


السوط والكرسي.. سر السيطرة على الأسود وتشتيت انتباهها


ترتبط الصورة التقليدية لمروّض الأسود بشخص يحمل سوطاً وكرسياً أمام الحيوان المفترس. ورغم أن السوط يستحوذ على معظم الاهتمام، فإنه يؤدي دوراً استعراضياً إلى حد كبير، بينما يتولى الكرسي المهمة الأهم.


فعندما يضع المروّض الكرسي أمام وجه الأسد، يحاول الحيوان التركيز على أرجله الأربع في الوقت نفسه. ومع انقسام انتباهه بين هذه الأجزاء، يصاب بالارتباك ولا يعرف ما ينبغي عليه فعله تالياً. وعندما يواجه خيارات متعددة، يختار التوقف عن الحركة والانتظار بدلاً من مهاجمة الرجل الذي يحمل الكرسي.


وهنا يطرح كلير سؤالاً مهماً: كم مرة تجد نفسك في الموقف نفسه الذي يواجهه الأسد؟


كم مرة وضعت هدفاً تريد تحقيقه، مثل خسارة الوزن أو بناء العضلات أو تأسيس مشروع أو السفر أكثر، ثم انتهى بك الأمر مرتبكاً أمام كثرة الخيارات المتاحة، دون أن تحرز أي تقدم؟


ويظهر هذا الأمر بوضوح في مجالات الصحة واللياقة البدنية والطب، حيث يبدو أن كل شخص أو شركة يسعى إلى زيادة الأمور تعقيداً. فكل برنامج تدريبي تصادفه يوصف بأنه الأفضل، وكل خبير تغذية يؤكد أن خطته هي المثالية.


ويقول كلير إن هذا التضارب يثير الإحباط؛ فبينما ينشغل الخبراء بالجدل حول الخيار الأفضل، يجد الأشخاص الذين يسعون بالفعل إلى تحسين حياتهم أنفسهم أمام معلومات متناقضة ومربكة.


وفي النهاية، يشعر الإنسان بأنه عاجز عن التركيز، أو أنه يوجه اهتمامه إلى الأمور الخاطئة، فيقل ما يتخذه من خطوات عملية، ويتباطأ تقدمه، ويظل في مكانه رغم قدرته على التحسن.

 


كيف تحسّن تركيزك؟ اختر هدفاً واحداً والتزم به


يرى كلير أن الحل يبدأ بتذكر قاعدة بسيطة كلما واجهتك خيارات كثيرة تشتت انتباهك: كل ما تحتاج إليه هو الالتزام بأمر واحد.


ولا يشترط أن تحقق النجاح منذ البداية؛ بل يكفي أن تبدأ. فالشروع في العمل قبل الشعور بالاستعداد الكامل يُعد من العادات التي يتبناها الأشخاص الناجحون.


وفي معظم الأحيان، لا يحتاج تحسين التركيز إلى أكثر من القدرة على البدء والالتزام بمهمة محددة. فالمشكلة لدى كثيرين لا تكمن في ضعف قدرتهم على التركيز، بل في صعوبة اتخاذ القرار.


فهل سبق أن واجهت مهمة كان عليك إنجازها مهما كان الأمر؟ ماذا حدث حينها؟ لقد أنجزتها بالفعل. ربما ماطلت في البداية، لكنك بمجرد أن قررت الالتزام بها، واصلت العمل حتى انتهيت منها.


وبعبارة أخرى، لا يعتمد إحراز التقدم في صحتك وعملك وحياتك على تعلم طرق جديدة لتحسين التركيز والانتباه بقدر ما يعتمد على تعلم كيفية الاختيار والالتزام بمهمة محددة.


أنت تمتلك بالفعل القدرة على التركيز، لكنك تحتاج إلى تحديد الوجهة التي ستوجه إليها انتباهك، بدلاً من التصرف مثل الأسد الذي يوزع اهتمامه على أرجل الكرسي الأربع.


فإذا أردت خسارة نحو 18 كيلوجراماً، فلا تحتاج إلى مزيد من المعلومات أو إلى البحث عن الطريقة المثالية للتركيز على الأمور الصحيحة. ابدأ بتناول الطعام الطبيعي، ويمكنك الاستدلال على ذلك باختيار الأطعمة التي لا تأتي معبأة داخل صناديق أو عبوات، وزيادة نشاطك البدني. التزم بالأساسيات أولاً، وابنِ عادات صحية جيدة، وستجد وقتاً كافياً لاحقاً للتعمق في التفاصيل.


وإذا كنت تطمح إلى الأداء بمستوى رياضي محترف، فتوقف عن الاكتفاء بالحلم وابدأ في تبني أسلوب حياة الرياضيين. اذهب إلى النوم مبكراً، ونظّم يومك بما يتناسب مع تدريباتك، وإذا اضطررت إلى التخلي عن بعض الالتزامات الأخرى، فافعل ذلك. فإذا كان هذا الهدف مهماً بالنسبة إليك، فتوقف عن الالتفات إلى المشتتات والتزم به.


أما إذا كنت تريد تأسيس مشروع تجاري، فيمكنك تحقيق ذلك، حتى لو شعرت بعدم الارتياح أو واجهت حالة من عدم اليقين؛ فهذه مشاعر يختبرها رواد الأعمال جميعاً. ولا تحتاج إلى تعلم استراتيجية جديدة أو البحث عن طريقة أفضل للتركيز، بل تحتاج إلى الالتزام بتحويل فكرتك إلى واقع. اتخذ الخطوة الأولى، وثق بأنك ستعرف كيف تتخذ الخطوة التالية عندما يحين وقتها.
 

ويؤكد كلير أن الجميع يمتلكون القدرة على التركيز والانتباه، شريطة أن يحددوا ما يهمهم فعلاً، وما يريدون الالتزام بإنجازه. فالاختيار الخاطئ الوحيد هو ألا تختار شيئاً على الإطلاق.
 

 

لا تظل أسيراً للتردد.. حياتك ليست بروفة


الحياة ليست تجربة تمهيدية لما سيأتي لاحقاً؛ فسواء أدركت ذلك أم لا، أنت بالفعل داخل الحلبة، مثلما هو حال الجميع. ومع ذلك، نقضي كثيراً من الوقت في التحديق بصمت إلى الكرسي أمامنا، ونواصل التفكير في أي أرجله أكثر أهمية، بدلاً من اتخاذ خطوة فعلية.


لكن الأمور لا يجب أن تسير على هذا النحو.


إذا كان لديك مكان تريد الوصول إليه، أو هدف تسعى إلى تحقيقه، أو شخصية تطمح إلى أن تصبح عليها، فعليك اتخاذ القرار. وعندما تكون وجهتك واضحة، سيساعدك العالم من حولك على الوصول إليها، أو سيبتعد عن طريقك. وفي الحالتين، ستجد ما يفيدك.


ولا تحتاج إلى إنجاز كل شيء دفعة واحدة، لكن هناك شيئاً عليك فعله الآن؛ أمراً يشغل تفكيرك، ويحظى بأهميتك، وتشعر بأنه يستحق أن تسعى إليه. قد لا يعرف الآخرون ما هو، لكنك تعرفه جيداً.


لذلك، أبعد الكرسي عن طريقك، واتخذ قرارك، وابدأ.

 

https://jamesclear.com/how-to-focus