تفاقمت الأزمات السياسية والاقتصادية المعقدة في مصر بصورة غير مسبوقة، واضعةً سلطة قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في مأزق حرج قبيل انتهاء ولايته في 2030، وسط توقعات بتعرضه لضغوط خارجية بشأن استمراره في سدة الحكم.
وتزامنت هذه التحديات مع احتمالات تكرار حجب المساعدات الأمريكية بسبب ملف حقوق الإنسان كما حدث عامي 2021 و2023، إلى جانب أعباء جديدة تحاصر ثاني أكبر اقتصاد أفريقي وثالثها عربياً والمنضم لمجموعة بريكس بداية 2024.
اختناقات إقليمية وتهديدات عسكرية متصاعدة
وفي السياق الإقليمي، جدد دونالد ترامب تهديداته بشن ضربة عسكرية موسعة ضد إيران بدفع من بنيامين نتنياهو، مما يضع أعباء ثقيلة على الدولة المصرية التي يعيش فيها نحو 110 ملايين مواطن يتأثرون مباشرة بالاضطرابات المحيطة.
وعلاوة على ذلك، يهدد تلويح ترامب بضربة ساحقة بارتفاع أسعار خام برنت الذي بلغ 105.29 دولار للبرميل، بالتزامن مع مخاطر إغلاق مضيقي باب المندب وهرمز، الأمر الذي يقوض عائدات السياحة وإيرادات قناة السويس الحيوية.
وبناءً على هذه التطورات، تفاقمت خسائر الجنيه بعد 5 قرارات تعويم منذ عام 2016 التهمت 90 بالمئة من قيمته خلال 10 سنوات، ليبلغ 56 جنيهاً للدولار، مع عجز قدره 1.3 بالمئة بأول شهرين من 2026-2027.
ومن جهة أخرى، فرضت تلك الاختلالات زيادات حتمية في أسعار مختلف أنواع الوقود والكهرباء والخدمات الحكومية، بينما تحرك العراق لبحث قنوات بديلة لتصدير نفطه بالتعاون مع مصر والأردن لتفادي مخاطر إغلاق مضيق هرمز.
وفي إطار الخلافات العربية، تصاعد تضارب المصالح مع الإمارات في ملفات السودان وإثيوبيا وليبيا واليمن والصومال، لاسيما مع دعم أبوظبي للدعم السريع، وبناء قاعدة بأرض الصومال وفق لوموند في 6 يوليو.
وبموازاة ذلك، تراجعت آمال قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في نيل دعم إماراتي كالسابق، حيث انعدمت الودائع بعد تحويل 11 مليار دولار لصفقة رأس الحكمة، مما يظهر فتور العلاقات مقارنة بما بعد 2013.
أرقام المديونية وهروب الأموال الساخنة
واتصالاً بالأزمة النقدية، سجلت مصر نزوحاً للأموال الساخنة قدره بنك ستاندرد تشارترد بين 10 و15 مليار دولار، بعد ذروة 55.1 مليار دولار نهاية يونيو، مما خفض الجنيه من 51 إلى 56 جنيهاً.
وفضلاً عن ذلك، تجاوز عجز الميزان التجاري 64 مليار دولار مع ارتفاع واردات الطاقة لتبلغ 42.4 مليار دولار سنوياً، بالتزامن مع سداد 60.9 مليار دولار لخدمة ديون تناهز 166.45 مليار دولار.
وعلى الصعيد الداخلي، بلغ نصيب الفرد من الدين الخارجي 1517 دولاراً، بينما التهمت الفوائد 512.2 مليار جنيه بأول شهرين، مستحوذة على 60 بالمئة من مصروفات يوليو وأغسطس البالغة 849.1 مليار جنيه.
وفي ضوء هذه الأرقام، عادلت مدفوعات الفوائد 96 بالمئة من الإيرادات العامة البالغة 533.2 مليار جنيه، المحصورة ضرائبها بنسبة 81.9 بالمئة، وسط انتهاء قرض الصندوق البالغ 8 مليارات دولار نهاية العام.
وبخلاف التعهدات الحكومية، اقترضت وزارة المالية 4.3 تريليون جنيه بأول 4 أشهر من 2026/2027 لتدوير الديون، وطرحت إصدارات بنصف مليار دولار لأجل 5 سنوات، وأبرمت قرضاً بمليار دولار مع البنك الدولي.
وكذلك أقر البرلمان اقتراض 170 مليون دولار من بنك التنمية الأفريقي واتفاقية بمليوني دولار، وطرح المركزي أذوناً بقيمة 600 مليون يورو، تزامناً مع ضخ أفريكسيم بنك 9 مليارات مستهدفاً 10 مليارات.
احتقان شعبي وجدل تعديل الدستور
وبالتوازي مع الضغوط المعيشية، تصاعد الغضب الشعبي متأثراً بحراك جيل زد في فرنسا وإيطاليا، وتجدد الجدل بعد مقترح مصطفى بكري بتعديل الدستور للتجديد لقائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي بعد 2030.
وفي سياق متصل، حلت مصر بالمرتبة الأخيرة عالمياً بانفتاح الحكومة والمركز 135 بين 143 دولة بمؤشر سيادة القانون الصادر في 23 أكتوبر، متذيلة 10 دول، إثر قمع المعارضة والصحافة واستقلال القضاء.
ومن جانبه، يرى المحلل السياسي مجدي الحداد أن أزمات النظام تراكمت منذ انقلاب 2013 وتوليه رسمياً عام 2014، مما جعل آثار الصدمات تتضاعف محلياً مقارنة ببقية بلدان المنطقة ذات الأوضاع الأكثر استقراراً.
ولفت الحداد إلى تجاهل الحكومة إبرام عقود آجلة للنفط حتى 2030 بأسعار 2025، مستشهداً بنزاع الغاز عامي 2011 و2012، وموضحاً أن الإنتاج يغطي 60 بالمئة وتستورد البلاد 40 بالمئة.
وفي المقابل، انتقد مراقبون سياسات الاقتراض والاعتماد على الأموال الساخنة، بالتزامن مع طرح بنك القاهرة ثالث المصارف الحكومية بعد نفاد الأصول، واللجوء لرفع أسعار الفائدة وتخفيض العملة دون تنمية الإنتاج.
وفي ختام هذه القراءات، حذر الدكتور خالد رفعت والدكتورة وفاء صبري من مصير معيشي متأزم يدفع لتشديد القبضة الأمنية، منتقدين تبديد المليارات في تشييد القاعات والمدن الفخمة عوضاً عن بناء قطاعات إنتاجية مستدامة.

