بحث وكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية الليبية الفريق عبد السلام الزوبي في العاصمة المصرية القاهرة مع رئيس المخابرات العامة اللواء حسن رشاد ملفات أمنية بالغة الحساسية تخص استقرار البلدين ومواجهة التحديات المشتركة.
وجاءت هذه المباحثات الرسمية لتعبر عن رغبة الطرفين في تجاوز التوترات الإقليمية العالقة، عبر مناقشة آليات تعزيز التعاون المشترك وتبادل الخبرات العسكرية اللازمة لتطوير كفاءة المؤسسات الدفاعية وتثبيت الهدوء الداخلي.
تنسيق عسكري وأمني لتعزيز الاستقرار
وفي هذا السياق، أوضحت حكومة الوحدة الوطنية في بيان رسمي أن اللقاء ركز بصورة مباشرة على معالجة مختلف التحديات الأمنية الراهنة، مع استعراض الأفكار التي تسهم في حماية الحدود وتأمين خطوط التواصل.
وعلاوة على ذلك، اتفق الجانبان على وضع آليات مستدامة لتبادل المعرفة التخصصية وتدريب الكوادر النظامية، بهدف رفع قدرات الأجهزة المعنية بمكافحة المخاطر العابرة للحدود وضمان جاهزيتها لمواجهة أي خروقات محتملة.
ومن هذا المنطلق، شهدت المحادثات تأكيداً متبادلاً على محورية الدور الذي تلعبه الأجهزة المختصة في عاصمة البلدين لتقويض مساعي التفتيت، والتركيز على بناء مؤسسات وطنية قادرة على حماية السيادة وتأمين المصالح.
وبناءً على تلك المداولات، شدد اللواء حسن رشاد على اهتمام القاهرة بدعم مساعي الاستقرار الداخلي لدى جارتها الغربية، معتبراً أن سلامة الأراضي الليبية تشكل ركيزة لا غنى عنها لمنظومة الأمن القومي المصري.
وبالمثل، عبر الفريق عبد السلام الزوبي عن تطلعه لتوسيع أطر الشراكة الدفاعية مع الجانب المصري، والاستفادة من الإمكانات المتطورة لرفع كفاءة التشكيلات النظامية، وتوحيد الجهود لمنع تسلل العناصر المسلحة عبر الحدود.
واستكمالاً لهذا التوافق، حرص مسؤولو طرابلس على إبراز أهمية التواصل الدوري مع المخابرات العامة المصرية، وتكثيف المشاورات حول الملفات ذات الاهتمام المتبادل، بما يضمن تبديد أي مخاوف بين الطرفين مستقبلاً.
توازنات القاهرة بين الفرقاء في ليبيا
وفي سياق ذي صلة، جاءت هذه الزيارة عقب لقاء جمع رئيس المخابرات المصرية بصدام حفتر في شهر أكتوبر الماضي، حيث سعت مصر لتعزيز قنوات اتصال متوازنة تجمع بين أطراف النزاع دون استثناء.
ومن ناحية مقابلة، تدرك الإدارة المصرية أن الانفتاح على كافة الفاعلين يمثل الوسيلة الأنسب للحفاظ على نفوذها وتأمين حدودها الممتدة، وتفادي الانحياز الذي قد يعطل دورها كوسيط رئيسي بين الفرقاء.
وعلى نحو متصل، حاول نظام قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي إعادة ترتيب أوراق التواصل العسكري بعد تباين الرؤى الإقليمية، عبر استضافة قادة طرابلس وإشراكهم في مباحثات تدعم بناء جسور جديدة للتفاهم.
ومن جانب آخر، أظهرت حكومة الوحدة الوطنية رغبة جادة في عدم حصر العلاقات مع القاهرة في قنوات أحادية، مفضلة المبادرة بزيارات رفيعة تبدد أي شكوك وتضمن بقاء الحوار نشطاً.
وبالتوازي مع تلك التحركات، يرى مراقبون أن اللقاء يمنح المؤسسة العسكرية في الغرب الليبي فرصة لتأكيد حضورها، وإثبات قدرتها على إدارة ملف التنسيق المباشر مع دول الجوار بكفاءة واقتدار.
وإزاء هذا الواقع، يعكس اللقاء رغبة متبادلة في تهدئة التوترات التي سبقتها خلافات حادة حول قرارات سيادية اتخذها البرلمان، مما فرض على مسؤولي العاصمتين استباق أي تدهور بخطوات عملية مشتركة.
شواغل الحدود البحرية وتفاهمات المتوسط
وفي غضون ذلك، جاء التحرك المصري الليبي بعد تصاعد الخلافات إثر مصادقة مجلس النواب على اتفاقية الترسيم البحري مع تركيا، وهو ما أثار تحفظات القاهرة ورفضها لما اعتبرته إضراراً بحقوقها.
وعلى ضوء ذلك التوتر، بادر رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة بإجراء اتصال هاتفي مع رئيس المخابرات حسن رشاد، مؤكداً مراعاة طرابلس للشواغل المصرية الخاصة بالمناطق الاقتصادية والمياه الإقليمية المشتركة.
وعطفاً على هذا الاتصال، هدفت زيارة الزوبي إلى ترجمة التطمينات السياسية التي قدمها الدبيبة، والتباحث حول 3 محاور رئيسية تشمل منع الاحتكاك وتنسيق الإجراءات وحماية الحقوق المتبادلة في مياه المتوسط.
ومن زاوية أوسع، تسعى القاهرة لضمان ألا تتحول الاتفاقيات الموقعة مع أنقرة إلى أداة لتقليص نفوذها، محاولة استثمار قنوات الحوار لبلورة تفاهمات فنية تضمن مصالح الدول المشاطئة لشرق البحر المتوسط.
وبناءً على هذه التطورات، تحرص طرابلس على انتهاج سياسة مرنة تراعي مصالح القاهرة الحيوية، تجنباً لأي استقطاب إقليمي قد يعيد إنتاج النزاعات المسلحة ويقوض جهود الاستقرار والتسوية في الأراضي الليبية.
وفي المحصلة الختامية، تظل المباحثات العسكرية بالقاهرة خطوة جوهرية لتثبيت التهدئة، وفتح المجال أمام تفاهمات متوازنة تدعم الأمن المشترك وتحد من تداعيات الخلافات البحرية حول ثروات وممرات حوض المتوسط.

