تتصاعد في مركز الخانكة ومدينة أبو زعبل بمحافظة القليوبية أزمة بيئية وصحية طاحنة تهدد آلاف الأسر، نتيجة تدفق الانبعاثات السامة والروائح الخانقة من منطقة العكرشة الصناعية، في ظل عجز منظومة الرقابة الحكومية عن كبح جماح التلوث الصناعي وتأمين حق المواطنين في بيئة آمنة ونقية.
وتتعاظم تداعيات هذه الكارثة الإنسانية مع تحول القرى المجاورة إلى بؤر وبائية تحاصر السكان ليل نهار، الأمر الذي دفع الأهالي لإطلاق استغاثات متكررة لإنقاذ الأطفال وكبار السن من مخاطر الأمراض الصدرية المستوطنة، وسط تعاطٍ رسمي يتسم ببطء الاستجابة في مواجهة امتداد سحب التلوث القاتلة.
سماء سوداء تخنق أهالي القليوبية
وفي تفاصيل المعاناة اليومية، يعيش المواطنون في محيط بؤرة العكرشة حالة حصار مستمرة تشتد وطأتها خلال ساعات الليل المتأخرة والصباح الباكر، حيث تستغل المنشآت غير المرخصة غياب الرقابة لإطلاق محارقها، مغرقة المنطقة في سحابة سوداء كثيفة تعزل السكان تماماً، مؤكدين عجز الجدران عن حمايتهم من السموم.
وتزامناً مع هذا الحصار الليلي، تضطر مئات العائلات لإغلاق جميع النوافذ والأبواب بإحكام حتى خلال فترات الطقس الحار وارتفاع درجات الحرارة، دون جدوى في منع تسرب الروائح النفاذة وغازات الاحتراق إلى داخل غرف نومهم، لافتين إلى أن استنشاق الهواء الملوث تحول إلى معايشة يومية قسرية تفوق طاقتهم البشرية.
من جانبهم، يوضح أهالي الخانكة وأبو زعبل أن نوم أطفالهم بات مصحوباً بنوبات اختناق وسعال حاد لا ينقطع مع ساعات الفجر الأولى، في مشهد متكرر يجسد واقعاً مأساوياً يفتقر إلى التدخل الوقائي السريع، مشيرين إلى أن الاستغاثات المرفوعة إلى مسؤولي المحافظة قوبلت بحلول وقتية لم تنهِ الأزمة المستمرة.
وتأكيداً لخطورة الموقف، يوضح الدكتور مجدي علام خبير شؤون البيئة وتغير المناخ، أن الانبعاثات الصادرة عن المنشآت العشوائية تمثل تهديداً مباشراً للنظام البيئي بالدلتا، محذراً من أن تراكم الجزئيات الدقيقة العالقة بالهواء يؤدي إلى اختلالات مناخية محلية خطيرة، تضاعف نسب الاحتباس الحراري وتدمر الغطاء الزراعي المحيط بالمناطق السكنية المتاخمة.
وعلاوة على الأبعاد المحلية، يرى مراقبون أن تكرار كوارث التلوث في مناطق مختلفة مثل كارثة قرية بني خالد بمحافظة المنيا، يعكس خللاً بنيوياً عميقاً في إدارة ملف البيئة الصناعية، لافتين إلى أن الإخفاق في مواجهة الأدخنة يتناقض مع الالتزامات الدولية المعلنة من سلطات قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي.
عشوائية المصانع وأمراض الجهاز التنفسي
وبالنظر إلى مسببات المأساة، تمثل عشوائية منطقة العكرشة الصناعية البؤرة الكبرى لتصدير الملوثات الخطيرة، نظراً لانتشار عشرات ورش فرم وتجفيف ريش وأحشاء الدواجن ومخلفات المجازر التي تعمل دون تراخيص لإنتاج الأعلاف، متسببة في نشر روائح كريهة خانقة تفوق طاقة الاحتمال البشري وتصيب السكان بالغثيان الدائم.
وإلى جانب ورش الدواجن، تواصل مسابك المعادن العشوائية ومصانع تدوير الجلود والبلاستيك حرق المخلفات الصلبة كبدائل رخيصة للطاقة، مما يولد انبعاثات كربونية سامة وغازات دفيئة تحرق صدور المواطنين، مؤكدين أن غياب الضوابط الفنية يمنح أصحاب هذه المنشآت حرية ارتكاب جرائم بيئية يومية بحثاً عن تحقيق أرباح سريعة.
ونتيجة لهذا التلوث الممنهج، تسجل المراكز الطبية والعيادات الخاصة في محافظة القليوبية تدفقاً قياسياً للمصابين بأمراض الحساسية والربو الشعبي، إلى جانب انتشار التهابات الجيوب الأنفية وقرنية العين بين الرضع، لافتين إلى أن قوائم الانتظار في وحدات الطوارئ تشهد زحاماً يومياً غير مسبوق في الساعات الأولى من كل صباح.
واستناداً إلى البيانات الطبية الميدانية، يؤكد الدكتور حسام حسني أستاذ الأمراض الصدرية بكلية الطب، أن التعرض اليومي لغازات حرق البلاستيك يؤدي إلى تلف تدريجي في الحويصلات الهوائية للرئتين، مشدداً على أن استنشاق المركبات الكربونية يرفع معدلات الإصابة بالأمراض الرئوية الانسدادية المزمنة، لاسيما لدى الفئات الهشة صحياً كالأطفال والشيوخ.
وفي هذا الاتجاه المتأزم، يتفق الأهالي على أن الرعاية الطبية الحالية لا تقدم سوى مسكنات موضعية لتهدئة الأعراض التنفسية الحادة، بينما يظل السبب الجذري للمرض طليقاً في الهواء يغزو المنازل، منوهين إلى أن استمرار إهمال الشق الوقائي يستنزف مدخرات الأسر البسيطة في شراء أدوية الاستنشاق الدائمة دون حل جذري.
وبموازاة ذلك التردي الصحي، تتصاعد تحذيرات سكانية من ضياع مستقبل أجيال كاملة نشأت وسط بيئة خانقة تحرمهم من النمو البدني الطبيعي، معتبرين أن غياب الإجراءات الرادعة الفورية يمثل إهداراً صريحاً لحق المواطن الأساسي في الحياة الكريمة، ومطالبين بوقف مهزلة الاستثمار على حساب صحة البسطاء وأرواحهم في مختلف المناطق.
تحركات حكومية متأخرة وشراكات دولية
وعلى وقع الاحتجاجات الشعبية، تحركت الأجهزة التنفيذية بمحافظة القليوبية بالتنسيق مع وزارتي البيئة والتنمية المحلية لتنفيذ حملات تفتيشية، تمكنت خلالها من تشميع وإغلاق منشآت مخالفة لفرم الريش وإزالة بؤر تلوث بأبو زعبل، مؤكدين أن الخطوات الميدانية جاءت بعد تفاقم الأزمة وبلوغها مستويات بيئية غير مسبوقة تضر بالصحة العامة.
وفي سياق المعالجة الرسمية، أعلنت السلطات المحلية إطلاق عمليات مراجعة تراخيص مئات المصانع والمسابك بالمنطقة، مع إلزام أصحابها بتركيب فلاتر بيئية مطابقة للمعايير وتوفيق أوضاعهم القانونية، لافتين إلى أن تقاعس الأجهزة الرقابية على مدار سنوات طويلة هو الذي أنتج هذه المنظومة العشوائية المعقدة وصعبة الضبط والمراقبة الميدانية.
واتصالاً بالخطط المستقبلية، تسعى الحكومة لتسريع تنفيذ مخطط تطوير منطقة العكرشة الصناعية بالتعاون مع البنك الدولي، بهدف تحويلها إلى منطقة نموذجية متوافقة بيئياً، غير أن أهالي القليوبية يبدون تشككاً واسعاً في سرعة الإنجاز، مؤكدين أن المشاريع الإنشائية المؤجلة لا تنقذ رئة مريض يصارع الموت يومياً وسط استمرار الانبعاثات.
وتعليقاً على آليات الإدارة والتخطيط، يوضح الدكتور حمدي عرفة أستاذ الإدارة المحلية واستشاري التطوير الحضري، أن نجاح مخططات إعادة الهيكلة الصناعية مرهون بتطبيق صارم لقوانين التنمية المستدامة، محذراً من أن الاكتفاء بالإغلاقات المؤقتة دون توفير بنية تحتية رقابية حديثة سيعيد إنتاج الانتهاكات البيئية تحت مسميات جديدة في المنطقة.
وارتباطاً بالأفق البيئي العام، تتزامن مأساة القليوبية مع تصريحات وزيرة البيئة بشأن احتمالات غرق مناطق واسعة بالدلتا والإسكندرية بفعل المتغيرات المناخية، الأمر الذي يفرض على الحكومة حماية النطاقات السكانية من التدمير الصناعي الذاتي، بدلاً من الاقتصار على إطلاق التصريحات الإعلامية دون وضع جدول زمني حاسم لإنهاء تلك الأزمة.
وختاماً لهذا المشهد البيئي المحتدم، يجمع أهالي مركز الخانكة على أن المطلب الوحيد غير القابل للتفاوض يتمثل في الإزالة الشاملة للمسابك والمحارق العشوائية خارج الكتلة السكانية، مؤكدين أن حماية أرواح آلاف المواطنين تمثل الاختبار الحقيقي لجدية الدولة، بعيداً عن مسكنات الحملات الموسمية والتعهدات الإدارية غير المنجزة على أرض الواقع.

