تشهد الساحة الميدانية في السودان منعطفًا عسكريًا خطيرًا إثر شلّ قطاع الطاقة الحيوي، بعد أن نفذت قوات الدعم السريع، اليوم الإثنين، هجومًا جويًا منسقًا بالطائرات المسيّرة طال 5 محطات كهرباء رئيسية وأغرق مناطق شاسعة في الظلام.
​
​
وبالتزامن مع هذه الضربات المركزة، تتسع رقعة الاستهداف الجوي لتشمل منشآت الوقود الاستراتيجية والمناطق المأهولة بالسكان، مما يعكس تحولًا جذريًا في تكتيكات الصراع المسلح واعتماد الطرفين المتزايد على السلاح المسيّر لضرب أهداف بعيدة عن خطوط التماس.

 

 

استهداف منشآت الطاقة وانقطاع التيار الكهربائي
​
​
وفي تفاصيل هذا الهجوم المنسق، أفاد مسؤول حكومي سوداني بأن الضربات الجوية بالمسيّرات التي شنتها قوات الدعم السريع استهدفت 5 محطات كهربائية حيوية، الأمر الذي أدى مباشرة إلى انقطاع التيار الكهربائي عن مناطق واسعة في شرق السودان.
​
​
وعلى صعيد متصل، ذكر مراسل وكالة الصحافة الفرنسية في ولاية الجزيرة أن الانقطاع الشامل للتيار الكهربائي بدأ منذ ساعات ما قبل الفجر، عقب تعرض محطتي كهرباء داخل الولاية لقصف جوي مباشر أخرجهما عن دائرة الخدمة الفعلية.
​
​
إلى جانب ذلك، امتدت رقعة الهجمات المنسقة لتطال 3 محطات كهرباء أخرى موزعة بين ولايتي القضارف والنيل الأبيض، وهو ما ضاعف من حجم الأزمة الخدمية وعزل مدنًا رئيسية عن الشبكة القومية للكهرباء منذ الساعات الأولى لليوم.
​
​
ومن زاوية أخرى، تكتسب هذه المحطات الخمس أهمية استراتيجية بالغة لكونها تغذي المرافق الصحية ومحطات ضخ مياه الشرب والمخابز في شرق ووسط البلاد، مما يجعل استهدافها ضربة قاسية تضاعف معاناة ملايين السكان والنازحين في تلك الولايات.
​
​
علاوة على ذلك، يشير تزامن الضربات في ولايات الجزيرة والقضارف والنيل الأبيض إلى وجود تخطيط عملياتي يهدف إلى إحداث شلل متزامن في شبكات الربط الكهربائي، وحرمان المناطق البعيدة عن خطوط القتال من مقومات الاستقرار الخدمي والاقتصادي.
​
​
ونتيجة لهذا الانقطاع المفاجئ، تواجه السلطات المحلية والفنية تحديات معقدة في إعادة التيار الكهربائي سريعًا، لا سيما مع صعوبة توفير قطع الغيار اللازمة لإصلاح المحولات المتضررة في ظل الظروف الأمنية الراهنة التي تشهدها البلاد خلال شهر أكتوبر.

 

 

مسيّرات عبر الحدود وتصدٍّ دفاعي بالجزيرة
​
​
وفي تطور لافت يحمل أبعادًا إقليمية، أكد مصدر عسكري في الجيش السوداني أن طائرات مسيّرة انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية المجاورة، وشاركت بشكل مباشر في مهاجمة محطات كهرباء الجنيد والحواتة والفاو الواقعة في المناطق الشرقية والوسطى.
​
​
فضلا عن ذلك، تثير هذه الرواية العسكرية حول انطلاق المسيّرات من إثيوبيا تساؤلات جوهرية بشأن أمن الحدود الشرقية، ومدى إمكانية اتساع دائرة التجاذبات الإقليمية إذا ثبت استخدام أراضي دول الجوار منصات لإطلاق هجمات تستهدف البنية التحتية السودانية.
​
​
ومن جهة أخرى، تمكنت الدفاعات الجوية التابعة للجيش السوداني، صباح أمس، من إسقاط طائرات مسيّرة يُرجح أنها كانت في طريقها لاستهداف مستودعات أم عليلة للوقود، الواقعة على بُعد كيلومترات قليلة من مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة.
​
​
وفي هذا الإطار، أوضحت مصادر محلية أن 4 مسيّرات حلّقت في سماء بلدة أم عليلة الواقعة شرق ولاية الجزيرة، وذلك قبل دقائق معدودة من سماع دوي إطلاق نار كثيف انطلق من المضادات الأرضية للتصدي لتلك الأجسام المعادية.
​
​
كما تداولت منصات إعلامية محلية أنباءً تفيد بنجاح قوات الجيش السوداني في اعتراض تلك المسيّرات وإحباط هجومها قبل الوصول إلى خزانات الوقود، مما حال دون وقوع كارثة بيئية واقتصادية كبيرة في محيط مدينة ود مدني وسط البلاد.
​
​
غير أنه لم يتسنَّ التحقق بشكل مستقل من دقة هذه المعلومات الميدانية عبر مصادر أخرى محايدة، لا سيما في ظل غياب أي تعليق رسمي فوري يوضح حجم الأضرار أو مصير الحطام الناتج عن عملية الاعتراض الجوي.

 

 

فاتورة إنسانية باهظة وتحول بمعادلة القتال
​
​
وعلى الصعيد الإنساني، وثّقت تقارير أممية حديثة مقتل أكثر من 300 شخص خلال الأيام القليلة الماضية وحدها، جراء سلسلة غارات جوية نفذتها طائرات مسيّرة وطالت مواقع مدنية متعددة في أقاليم دارفور وكردفان والنيل الأزرق بالإضافة إلى العاصمة الخرطوم.
​
​
ويأتي هذا الارتفاع الحاد في أعداد الضحايا المدنيين نتيجة تصعيد غير مسبوق في الهجمات الجوية المتبادلة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حيث لم تعد المناطق السكنية والأسواق الشعبية بمنأى عن نيران المسيّرات الهجومية والانتحارية.
​
​
ومن منظور عسكري، تحوّلت الطائرات المسيّرة إلى واحدة من أبرز أدوات القتال الحاسمة في الحرب السودانية المستمرة، نظرًا لقدرتها العالية على التحليق لمسافات طويلة وتجاوز التحصينات الأرضية التقليدية بتكلفة مادية وبشرية منخفضة مقارنة بالطيران الحربي المأهول.

بالإضافة إلى ذلك، يعكس الاعتماد المتزايد لكلا الطرفين على هذا السلاح رغبة مستمرة في نقل المعركة إلى العمق الاستراتيجي للخصم، واستهداف مراكز الإمداد والمنشآت الحيوية الواقعة في مناطق بعيدة تمامًا عن خطوط المواجهة المباشرة.
​
​
وفي مقابل هذا التوسع العملياتي، تتزايد المخاوف الدولية والأممية من انهيار كامل لشبكات الخدمات الأساسية في السودان، إذ يؤدي ضرب محطات الكهرباء ومستودعات الوقود إلى تفاقم الأزمة الإنسانية وتعطيل سلاسل الإغاثة الطبية والغذائية العاجلة.
​
​
وختامًا لهذا المشهد الميداني المعقد، يبدو أن استمرار حرب المسيّرات دون رادع دولي سيقود البلاد نحو مزيد من الاستنزاف الشامل، حيث يدفع المدنيون وحدهم ثمن تحول البنية التحتية والمناطق الآمنة إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات العسكرية.