اتهمت مجلة إيكونوميست البريطانية كلا من السعودية والإمارات بتأجيج الصراعات المشتعلة وزراعة الفوضى في المنطقة، معتبرة أن الدولتين الخليجيتين تحولتا من واحتين للاستقرار سابقا إلى طرفين يسهمان في إطالة أمد الحروب الدموية وتعقيد فرص تسويتها سلميا.
علاوة على ذلك، تفرط الرياض وأبوظبي في توظيف مواردهما المالية والعسكرية لمواجهة التهديدات الأمنية الحقيقية التي تطالهما مباشرة، وفي مقدمتها التوترات المتصاعدة مع إيران والمخاطر الجسيمة التي تواجه طرق التجارة البحرية الحيوية وممرات الملاحة الدولية.
تهديدات أمنية وتراجع الحليف الأمريكي
وفي هذا السياق، تواجه السعودية والإمارات تحديات أمنية متزايدة ومعقدة، في ظل سيطرة إيران المستمرة على مضيق هرمز الاستراتيجي، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارتهما النفطية والتجارية نحو الأسواق العالمية دون وجود بدائل آمنة.
إلى جانب ذلك، تتواصل هجمات جماعة الحوثيين في اليمن على المطارات المدنية وخطوط الأنابيب السعودية الحيوية، بالتزامن مع تصاعد التهديدات العسكرية المباشرة التي تطال مضيق باب المندب وتعيق حركة السفن التجارية العابرة نحو البحر الأحمر.
ومن ناحية أخرى، أدى تراجع موثوقية الولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت تمثل الحليف الاستراتيجي الأبرز والضامن الأمني لدول الخليج العربي، إلى ترك البلدين في وضع أمني أكثر هشاشة وضعفا أمام الأخطار الإقليمية المحدقة بهما.
وبدلا من التركيز المباشر على احتواء هذه التهديدات المصيرية، تتنافس الرياض وأبوظبي بشراسة على توسيع النفوذ في مناطق جغرافية أبعد، وتؤججان بعضا من أسوأ الصراعات المسلحة في العالم عبر تدخلاتهما المستمرة وغير المدروسة.
فضلا عن ذلك، يسهم التدخل الخليجي في الحروب الدائرة على جانبي البحر الأحمر في جعلها أكثر دموية ووحشية، ويصعب من إمكانية التوصل إلى حلول سياسية لها، رغم وجود أطراف خارجية أخرى متدخلة في تلك الأزمات.
السودان واليمن في قلب التنافس
وعلى صعيد متصل، يمثل السودان أبرز أمثلة هذا التدخل الخارجي المدمر، إذ تخوض قوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب انتهاكات واسعة تشمل الاغتصاب الجماعي والإبادة الجماعية، حربا ضروسا ضد الجيش السوداني للسيطرة الكاملة على البلاد.
وفي غضون ذلك، تلاحق قوات الدعم السريع الأطباء والكوادر الصحية وتقتلهم عمدا خشية أن يشهدوا على جرائمها المروعة أمام العالم، في ظل انعدام الرقابة الدولية واستمرار تدفق الأسلحة والعتاد العسكري إلى ساحات القتال الملتهبة.
وفي هذا الإطار، تقدم دولة الإمارات الدعم المالي والتسليح العسكري لقوات الدعم السريع رغم نفي أبوظبي المستمر لذلك، في حين تدعم الحكومة السعودية الجيش السوداني، الذي وصفته المجلة البريطانية بأنه أقل وحشية نسبيا في ممارساته.
وبالإضافة إلى ما سبق، لا يقتصر التنافس المحتدم بين الدولتين الخليجيتين على الساحة السودانية فحسب، بل يمتد ليشمل اليمن، حيث خاضتا معارك عسكرية مشتركة ضد الحوثيين قبل أن تتفجر الخلافات العميقة بينهما وتغير مسار المعركة.
ونتيجة لتلك الخلافات المتصاعدة، قررت الإمارات سحب قواتها العسكرية من الأراضي اليمنية، وهو الأمر الذي أتاح للجماعة الحوثية المدعومة من إيران توسيع نفوذها الميداني سريعا وملء الفراغ الأمني والعسكري الذي خلفه ذلك الانسحاب المفاجئ.
كما تتنافس العاصمتان الخليجيتان بشدة على النفوذ والسيطرة في الموانئ البحرية المطلة على البحر الأحمر، في وقت تهدد فيه تحالفاتهما المتعارضة بتصعيد التوتر المكتوم بين إثيوبيا وإريتريا اللتين تقتربان بالفعل من مواجهة عسكرية جديدة.
تنافس شخصي وتكلفة إنسانية باهظة
ومن جهة ثانية، لا يخدم هذا النهج الصدامي المصالح الاستراتيجية العليا للدولتين، رغم أن السعي لبناء شبكات من الحلفاء الإقليميين قد يبدو منطقيا في ظل تراجع الثقة بالضمانات الأمنية الأمريكية خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب.
وعلاوة على هذا، يرجح المراقبون أن يكون استعراض القوة المستمر لدى الرياض وأبوظبي مدفوعا بالتنافس الشخصي المحتدم بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الإماراتي محمد بن زايد، أكثر من استناده إلى استراتيجية مدروسة.
وبناء على ذلك، فإن تسليح الأطراف المتحاربة والتقاعس عن وقف غسل عائدات الحرب والمساهمة في تعقيد النزاعات الإقليمية، لا تؤدي جميعها إلا إلى إطالة أمد الحروب وتدمير البنية التحتية للدول الهشة في المنطقة العربية والأفريقية.
وفي المقابل، تظل التكلفة الإنسانية لهذه الصراعات باهظة للغاية، إذ أودت الحربان المستمرتان في السودان واليمن بحياة مئات الآلاف من الأبرياء، وشردتا نحو 20 مليون شخص، ودفعتا الملايين من السكان المدنيين إلى حافة المجاعة المميتة.
ولذلك، تحذر المجلة من أن هذه المغامرات الخارجية غير المحسوبة تهدد مصالح السعودية والإمارات ذاتهما، فالفوضى العارمة على جانبي البحر الأحمر تعرض طرق التجارة للخطر، بينما تلحق التوترات مع إيران أضرارا فادحة باقتصادات الخليج.
وكذلك، لن يؤدي تسريع انهيار دولة أفريقية كبيرة ومجاورة مثل السودان إلى تعزيز أمن الخليج، كما أن طموح أبوظبي في تحويل الأراضي السودانية إلى سلة غذاء لن يتحقق ما دام المسلحون يقتلون المزارعين السودانيين.
وختاما، يتوجب على الرياض وأبوظبي وقف دعم الأطراف المتحاربة فورا ولا سيما قوات الدعم السريع، وتنحية خلافاتهما جانبا لاحتواء الحوثيين واستعادة وقف إطلاق النار، وتبني سياسة خارجية أكثر مسؤولية لتسهيل احتواء حروب المنطقة المدمرة.

