تواجه الثروة الحيوانية والأمن الغذائي في مصر خطرا داهما يهدد سلامة الملايين، وسط شلل تام يضرب 90% من الوحدات البيطرية بالمحافظات لغياب الأطباء، وتشغيل المجازر بنحو 15% فقط من طاقتها الاستيعابية المفترضة للأطباء المشرفين.
وبلغ العجز الرسمي الصادر عن النقابة العامة للأطباء البيطريين نحو 75000 طبيب داخل المجازر والوحدات، لترتفع نسبة العجز بالسلخانات إلى 75%، مما ينسف قدرة المنظومة على فرض رقابة صارمة على اللحوم المتداولة بالأسواق.
انهيار الرقابة البيطرية في القرى والمجازر
وفي هذا الصدد، يعيش ريف مصر واقعا مريرا داخل الوحدات البيطرية بالقرى والمراكز، والتي طالما مثلت خط الدفاع الأول عن صحة الإنسان والحيوان على حد سواء، بعد تركها خاوية من الكوادر البشرية المؤهلة لتشغيلها.
وعلى صعيد متصل، أدى تقلص القوى العاملة داخل المجازر والسلخانات إلى تمرير ذبائح دون فحص دقيق، في ظل غياب الإشراف الكافي، مما يفتح الباب واسعا أمام تسرب لحوم فاسدة أو محملة بالأمراض إلى موائد المواطنين.
ومن ناحية أخرى، أطلقت مسئولة الطب البيطري بالقليوبية تحذيرات شديدة اللهجة من تناول لحوم الأغنام التي تتغذى على القمامة، كاشفة عن حجم الكارثة البيئية والصحية الناتجة عن غياب الرقابة الميدانية في الشوارع والأسواق العشوائية.
وعلاوة على ذلك، يتسع نطاق الذبح خارج المجازر الرسمية هربا من الرسوم أو لغياب الرقابة الفعالة، الأمر الذي يحول الأسواق الشعبية إلى بؤر غير آمنة لتداول المنتجات الحيوانية دون أدنى معايير السلامة الصحية المفترضة.
ومن جانبه، أكد الدكتور محمد شفيق، الأمين العام السابق لنقابة الأطباء البيطريين، أن ترك 90% من الوحدات بلا أطباء يمثل تجريفا متعمدا لخط الدفاع الصحي الأول، ويسلم غذاء المصريين لمافيا الأغذية الفاسدة والذبح العشوائي بالمحافظات.
وأضاف شفيق أن تقليص القوى العاملة بالمجازر إلى 15% فقط من طاقتها الاستيعابية يعكس استهانة رسمية بحياة المواطنين، ويحول السلخانات الحكومية إلى مجرد مبان مهجورة عاجزة عن فحص المذبوحات أو منع تداول اللحوم المريضة.
وبالإضافة إلى ذلك، تتجاهل السياسات الحكومية الحالية خطورة انهيار البنية التحتية للوحدات الريفية، مكتفية بتحصيل الغرامات دون توفير الكوادر البشرية والأدوات المعملية اللازمة للكشف السريع عن الأوبئة الفتاكة قبل انتقالها للمستهلكين في المدن والقرى.
ونتيجة لذلك، بات المستهلك المصري عرضة لمخاطر التسمم الغذائي والأمراض المزمنة الناتجة عن تراكم السموم في أنسجة الحيوانات التي تقتات على المخلفات، وسط عجز كامل للأجهزة التنفيذية عن ضبط الأسواق أو حماية الأمن الغذائي.
تجميد التكليف الحكومي وتفاقم بطالة الخريجين
ويعود أصل هذه الأزمة المتفاقمة إلى القرار الحكومي بوقف التعيينات والتكليف الرسمي للأطباء البيطريين منذ أكثر من 20 عاما، وهو ما تسبب في تجفيف منابع الكوادر الشابة داخل قطاعات وزارة الزراعة والمحليات بالمحافظات.
ورغم ذلك، تمتلك مصر ثروة بشرية هائلة من خريجي الطب البيطري وفقا لتصريحات النقيب العام الدكتور مجدي حسن، حيث يضم جدول النقابة عشرات الآلاف من الأطباء المؤهلين علميا لسد هذا الفراغ الرقابي الهائل فورا.
وفضلا عن ذلك، تضخ كليات الطب البيطري البالغ عددها حاليا نحو 27 كلية بالإضافة إلى الكليات الجديدة ما بين 5500 إلى 9000 خريج سنويا، يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع شبح البطالة والتهميش الحكومي.
وفي المقابل، انكمش عدد الأطباء المعينين رسميا في الجهاز الإداري للدولة ليصل إلى بضعة آلاف فقط، نتيجة خروج الكوادر القديمة إلى المعاش دون إحلال بدائل لهم، مما وجه طاقة الشباب نحو قطاعات الدعاية الدوائية.
وزاد من حدة الاحتقان، التلويح الحكومي بإلغاء السنة السادسة لطلبة الطب البيطري بمجرد مطالبتهم المشروعة بصرف بدل الامتياز أسوة بغيرهم من التخصصات الطبية، في خطوة تعكس رغبة رسمية في التهرب من الأعباء المالية.
وفي هذا السياق، أوضح الدكتور الحسيني محمد، عضو مجلس نقابة الأطباء البيطريين السابق، أن تجميد التكليف لأكثر من 20 عاما بالتزامن مع التوسع العشوائي في افتتاح 27 كلية يثبت تخبط التخطيط الحكومي وإهدار الموارد البشرية.
وأشار الحسيني إلى أن التلويح بإلغاء سنة الامتياز هربا من دفع مستحقات الطلاب يضرب جودة التعليم البيطري في مقتل، ويدفع ما بين 5500 و 9000 خريج سنويا نحو البطالة أو العمل في مجالات غير رقابية.
وبناء على ما تقدم، تطالب نقابة الأطباء البيطريين بتبني استراتيجية وطنية شاملة تعيد الهيكلة الوظيفية للمنظومة، وتضبط التعليم عبر تقليص أعداد المقبولين في الكليات مع ربط المناهج بالاحتياجات الفعلية لسوق العمل لضمان استدامة الغذاء.
تبديد الثروة الحيوانية وعجز الحلول المؤقتة
ومن ناحية أخرى، تقوض هذه الأزمة الهيكلية جهود التحسين الوراثي وتطوير السلالات الحيوانية التي طرحها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي في منتدى مصر 2026، إذ يستحيل تطوير الإنتاج الحيواني بدون أطباء يشرفون على التنفيذ الميداني.
كما يترك غياب الرعاية البيطرية المنظمة في الريف صغار المربين، الذين يمثلون الركيزة الأساسية لإنتاج اللحوم والألبان، بلا أي دعم فني، مما يعرض مواشيهم للأمراض الوبائية الفتاكة ويهدد بحدوث خسائر اقتصادية فادحة تطال الجميع.
علاوة على ذلك، يعوق ضعف الرقابة البيطرية في القرى والأسواق آليات الرصد والإنذار المبكر للأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، وهو ما يشكل خطرا حقيقيا ومباشرا على الصحة العامة للمواطنين نتيجة تراجع دور الوحدات البيطرية.
وإزاء هذا التدهور، أعلنت وزارة الزراعة بالتنسيق مع الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة عن بدء إجراءات تعيين نحو 4760 طبيبا بيطريا كدفعة أولى بنظام العقود السنوية، في محاولة متأخرة لاحتواء الغضب النقابي وسد الرمق الوظيفي.
غير أن هذه الخطوة التي اعتبرتها النقابة بداية إيجابية تظل قاصرة تماما وغير كافية لتغطية العجز الإجمالي المتراكم على مدار عقدين والبالغ 75000 طبيب، خاصة وأنها تتم بنظام العقود المؤقتة التي تفتقر للأمان الوظيفي.
وفي هذا الإطار، أكد الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية واستصلاح الأراضي بجامعة القاهرة، أن الحديث عن تحسين السلالات في منتدى مصر 2026 يتناقض كليا مع ترك الثروة الحيوانية للنفوق الجماعي بسبب غياب الأطباء.
وشدد نور الدين على أن التعاقد مع 4760 طبيبا بنظام العقود السنوية المؤقتة مقابل عجز يبلغ 75000 طبيب هو مسكنات هزيلة لا تبني منظومة أمن غذائي، ولا تحمي صغار المربين من الخسائر الاقتصادية المتلاحقة.
وتأسيسا على ذلك، فإن استمرار غياب الإرادة السياسية لإصلاح المنظومة البيطرية ماليا وإداريا يبقي الأمن الغذائي المصري مرهونا بالأوبئة المستوردة والمحلية، ويحول الشعارات الرسمية حول الاكتفاء الذاتي من اللحوم والألبان إلى وعود تفتقر لآليات التحقيق.
وختاما، تظل حماية صحة المصريين وثروتهم الحيوانية مرهونة بعودة التكليف الشامل للأطباء البيطريين وتوفير بيئة عمل آمنة ومجهزة داخل الوحدات والمجازر، بعيدا عن سياسات التقشف التي تضحي بالرقابة الصحية والأمن القومي الغذائي لتقليص النفقات.

