طالبت 119 منظمة حقوقية ومؤسسة إعلامية مستقلة من مختلف أنحاء العالم السلطات بوقف ملاحقة لينا عطا الله، رئيسة تحرير موقع «مدى مصر»، على خلفية اتهامها بإنشاء وإدارة موقع إلكتروني دون ترخيص، محذرة من أن القضية قد تمثل تهديدًا مباشرًا لاستمرار عمل واحدة من أبرز المنصات الصحفية المستقلة في البلاد.
وجاءت المطالبات في نداء عالمي مشترك، أعربت الجهات الموقعة عليه عن قلقها من إحالة عطا الله إلى المحاكمة، معتبرة أن القضية تتجاوز وضعًا قانونيًا يخص مؤسسة إعلامية بعينها، لتفتح الباب أمام مزيد من القيود على الصحافة المستقلة وحرية التعبير والعمل المدني في مصر.
ودعت المنظمات إلى وقف جميع أشكال الاستهداف التي تتعرض لها «مدى مصر» وغيرها من المؤسسات الصحفية المستقلة، ومنح الموقع الترخيص اللازم لممارسة عمله، إلى جانب الإفراج عن الصحفيين المحتجزين أو المسجونين بسبب عملهم الصحفي.
وحذرت من أن الاتهامات الموجهة إلى رئيسة تحرير الموقع قد تترتب عليها غرامة مالية تتراوح بين مليون وثلاثة ملايين جنيه، فضلًا عن احتمال صدور حكم بإغلاق الموقع، وهو ما وصفه النداء بأنه ضربة قاسية لما تبقى من منافذ إعلامية مستقلة تعمل داخل مصر.
إحالة لينا عطا الله إلى المحاكمة
كانت نيابة أمن الدولة العليا قد أحالت، الخميس الماضي، لينا عطا الله إلى محكمة جنح القاهرة الجديدة، وحددت الثلاثاء المقبل موعدًا لبدء جلسات محاكمتها، وذلك بعد ساعات من التحقيق معها وإخلاء سبيلها بكفالة مالية قدرها 100 ألف جنيه، على ذمة القضية رقم 9072 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا.
وتواجه عطا الله اتهامًا بإنشاء وإدارة موقع إلكتروني دون ترخيص، في قضية تقول المنظمات الموقعة على النداء إنها تثير مخاوف بشأن استخدام الإجراءات القانونية لملاحقة المؤسسات الصحفية المستقلة، خصوصًا في ظل استمرار الخلاف حول الوضع القانوني لترخيص «مدى مصر».
وجاءت إحالة رئيسة تحرير الموقع إلى المحاكمة عقب استدعائها للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة العليا، حيث استمر التحقيق معها نحو ست ساعات، وتناول عددًا من الموضوعات المتعلقة بعمل الموقع وتغطيته للأحداث داخل مصر.
وبحسب النداء، شملت الأسئلة الموجهة إلى عطا الله تغطية «مدى مصر» للاحتجاجات التي شهدتها السجون وردود الفعل الأمنية عليها، فضلًا عن الوضع القانوني لترخيص الموقع والإجراءات التي اتخذها للحصول على الموافقات اللازمة لمزاولة نشاطه.
وترى المنظمات أن توقيت القضية وطبيعة الاتهامات الموجهة إلى عطا الله يستدعيان النظر إليها في سياق أوسع يتعلق بمستقبل الصحافة المستقلة، خاصة مع تزايد الضغوط التي تواجه مؤسسات إعلامية وصحفيين بسبب عملهم المهني.
119 منظمة تحذر من إغلاق الموقع
ضم النداء العالمي 119 منظمة حقوقية ومؤسسة إعلامية مستقلة، من بينها منظمة العفو الدولية، ولجنة حماية الصحفيين، وهيومن رايتس ووتش، إلى جانب نقابة الصحفيين اللبنانيين، وتحالف إيجيس للسلامة، واللجنة الأمريكية لحقوق الشرق الأوسط، ومؤسسة حرية الفكر والتعبير، ومشروع القيادات الأفريقية الشرق أوسطية، ومركز النديم، ومنظمة «ARTICLE 19».
وأكدت الجهات الموقعة أن إحالة رئيسة تحرير «مدى مصر» إلى المحاكمة تمثل تصعيدًا في التعامل مع الصحافة المستقلة، محذرة من أن العقوبات المحتملة لا تقتصر آثارها على لينا عطا الله وحدها، بل قد تمتد إلى المؤسسة الصحفية بأكملها وتهدد قدرتها على مواصلة العمل.
وأشار النداء إلى أن احتمال فرض غرامة تتراوح بين مليون وثلاثة ملايين جنيه، إلى جانب خطر إغلاق الموقع، يضع مستقبل المؤسسة أمام مخاطر جدية، في ظل ما وصفته المنظمات بتراجع مساحة العمل المتاحة للصحافة المستقلة داخل مصر.
واعتبرت الجهات الموقعة أن إغلاق «مدى مصر»، حال صدور حكم يؤدي إلى ذلك، سيحرم الجمهور من أحد المنافذ التي تقدم تغطية صحفية مستقلة، ويحد من تعددية الآراء والمعلومات المتاحة في المجال العام.
وشددت المنظمات على أن القضية ينبغي ألا تُفصل عن السياق الأوسع الذي تعمل فيه المؤسسات الصحفية، مطالبة السلطات بوقف الملاحقات التي تستهدف الصحفيين بسبب عملهم، وضمان عدم استخدام القوانين المنظمة للإعلام وسيلة لتقييد التغطية الصحفية أو التضييق على المؤسسات المستقلة.
أزمة الترخيص مستمرة منذ 2018
استندت المنظمات في اعتراضها إلى المسار الطويل الذي خاضه «مدى مصر» للحصول على ترخيص رسمي، مؤكدة أن الموقع سعى إلى تسوية وضعه القانوني وفقًا للتشريعات المصرية، لكنه لم يتلق ردودًا واضحة على عدد من طلباته.
وبحسب النداء، تقدم الموقع بطلب للحصول على الترخيص في عام 2018، عقب صدور قانون تنظيم الصحافة والإعلام رقم 180 لسنة 2018، إلا أنه لم يتلق ردًا على الطلب.
وبعد صدور اللائحة التنفيذية للقانون في عام 2020، تقدم الموقع بطلب جديد للحصول على الترخيص، لكنه لم يحصل أيضًا على رد من الجهات المعنية، ما أبقى وضعه القانوني محل خلاف رغم محاولاته المتكررة لاستكمال الإجراءات المطلوبة.
وأضاف النداء أن إدارة الموقع علمت، خلال تحقيق استُدعيت إليه لينا عطا الله في عام 2022، بأن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام رفض طلب الترخيص، دون إخطار الموقع بالقرار أو تقديم أسباب كافية تفسر الرفض.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ طعن الموقع أمام القضاء على قرار الرفض، وكذلك على ما اعتبره إخفاقًا من السلطات في إبلاغه بالقرار وتوضيح مبرراته. وفي عام 2023، تقدم «مدى مصر» بطلب آخر للحصول على الترخيص، لكنه ظل معلقًا دون رد، وفقًا لما أورده النداء.
وتثير هذه الوقائع، بحسب المنظمات، تساؤلات بشأن تحميل المؤسسات الصحفية مسؤولية وضع قانوني لم تنجح في حسمه رغم تقدمها بطلبات متكررة، في وقت يمكن أن تتعرض فيه لعقوبات مالية كبيرة أو خطر الإغلاق بسبب عدم امتلاك الترخيص.
واعتبرت الجهات الموقعة أن هذه الملابسات تستدعي معالجة القضية بما يضمن وضوح الإجراءات القانونية، وحق المؤسسات الإعلامية في الحصول على ردود مبررة على طلباتها، بدلًا من ترك أوضاعها معلقة لسنوات ثم اللجوء إلى الملاحقة القضائية.
6 قضايا خلال ست سنوات
لفت النداء إلى أن إحالة لينا عطا الله إلى المحاكمة هي الأولى من نوعها ضمن ست قضايا واجهها «مدى مصر» خلال السنوات الست الماضية، معتبرًا أن التطور الأخير يحمل مؤشرات على تصعيد محتمل ضد المؤسسة.
وترى المنظمات أن تعدد القضايا التي واجهها الموقع، بالتزامن مع استمرار أزمة الترخيص، يضع عمله أمام ضغوط متراكمة قد تؤثر في قدرته على أداء دوره الصحفي، لا سيما في ظل العقوبات التي يمكن أن تترتب على القضية الحالية.
وأكدت أن استهداف المؤسسات الإعلامية المستقلة لا يؤثر فقط في الصحفيين العاملين بها، وإنما ينعكس أيضًا على حق الجمهور في الوصول إلى المعلومات، وعلى قدرة الصحافة على متابعة القضايا العامة ومساءلة الجهات المسؤولة.
وفي هذا السياق، اعتبر النداء أن التصعيد الأخير يجب أن يُقرأ باعتباره مؤشرًا مقلقًا على مستقبل المجال الإعلامي المستقل في مصر، محذرًا من أن استمرار القيود قد يؤدي إلى تقليص المساحات المتاحة أمام الصحافة غير الخاضعة للمؤسسات الإعلامية الرسمية.
وطالبت المنظمات بوقف الملاحقات بحق «مدى مصر» وجميع المؤسسات المستقلة، مؤكدة ضرورة حماية الصحفيين من الإجراءات التي قد تعوق عملهم أو تعرضهم لعقوبات بسبب ممارستهم مهنتهم.
قضية لينا عطا الله بعد ملاحقة متصدقش
ربط النداء العالمي بين قضية رئيسة تحرير «مدى مصر» والتطورات التي شهدها المشهد الصحفي خلال الأسابيع الماضية، مشيرًا إلى القبض على ستة صحفيين من فريق عمل منصة «متصدقش» المستقلة في نهاية سبتمبر الماضي، وحبسهم احتياطيًا على ذمة اتهامات تتعلق بنشر أخبار كاذبة والانضمام إلى جماعة إرهابية.
واعتبرت المنظمات أن هذه التطورات تعكس تصاعد الضغوط على المؤسسات الصحفية المستقلة، خصوصًا أن قضية «مدى مصر» جاءت بعد فترة قصيرة من توقيف صحفيين يعملون في منصة متخصصة في التحقق من المعلومات وتدقيق الوقائع.
وفي 19 أكتوبر الجاري، انضم «مدى مصر» إلى سبع مؤسسات إعلامية مستقلة أخرى من العالم العربي لتأسيس غرفة أخبار تضامنية، تستهدف سد الفراغ الذي خلفه غياب فريق عمل «متصدقش»، والمشاركة في تدقيق الحقائق المتعلقة بـ«منتدى مصر 2026»، الذي تنظمه الحكومة لعرض ما تصفه بإنجازاتها.
وتضم المبادرة، إلى جانب «مدى مصر»، منصتي «صحيح مصر» و«المنصة» من مصر، و«ميجافون» و«درج» و«صفر» من لبنان، ومنصة «نواة» من تونس، و«الجمهورية» من سوريا.
وتسعى المبادرة إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات الصحفية المستقلة في مواجهة غياب بعض الفرق الصحفية عن العمل، وتوفير تغطية تعتمد على التحقق من المعلومات ومراجعة التصريحات والبيانات المرتبطة بالفعاليات العامة.
حرية الصحافة في مصر تحت الانتقادات
تأتي القضية في ظل استمرار الانتقادات الحقوقية والإعلامية لوضع حرية الصحافة في مصر، حيث احتلت البلاد المركز 169 من بين 180 دولة في مؤشر حرية الصحافة لعام 2026 الصادر عن منظمة «مراسلون بلا حدود»، وفقًا للمعلومات الواردة في التقرير الأصلي.
ويعكس هذا الترتيب، بحسب ما تستند إليه الجهات المنتقدة، حجم التحديات التي تواجه العمل الصحفي، في وقت تتواصل فيه الخلافات بشأن حجب المواقع الإلكترونية، والإجراءات القانونية المتخذة ضد بعض الصحفيين والمؤسسات الإعلامية.
وكانت نقابة الصحفيين قد انتقدت، في مارس 2024، استمرار حجب عدد من المواقع الصحفية، التي تعرضت للحجب عدة مرات، كان آخرها في يوليو 2022، وفقًا للمعلومات المنشورة بشأن القضية.
ورغم رفع الحجب عن بعض المواقع، من بينها موقع «نافذة مصر»، لا تزال قضية إتاحة المواقع الصحفية أمام الجمهور تثير انتقادات ومطالبات بضمان حرية الوصول إلى المعلومات.
وتقول المنظمات الموقعة على النداء إن استمرار القيود والملاحقات القانونية يهدد ما تبقى من مساحة للصحافة المستقلة، محذرة من أن أي حكم قد يؤدي إلى إغلاق «مدى مصر» لن تقتصر آثاره على المؤسسة وحدها، بل قد يبعث برسالة سلبية إلى المؤسسات الإعلامية الأخرى بشأن قدرتها على مواصلة العمل.
مطالب بوقف الملاحقات والإفراج عن الصحفيين
في ختام ندائها، دعت المنظمات الـ119 السلطات إلى وقف جميع أشكال الاستهداف الموجهة ضد «مدى مصر» والمؤسسات الإعلامية المستقلة العاملة في البلاد، والعمل على تسوية وضع الموقع القانوني ومنحه الترخيص اللازم لمزاولة نشاطه.
كما طالبت بالإفراج عن جميع الصحفيين المحتجزين أو المسجونين بسبب عملهم الصحفي، مؤكدة أن حماية حرية الصحافة تتطلب توفير بيئة تسمح للمؤسسات الإعلامية بأداء عملها دون تهديد بالملاحقة أو الإغلاق.

