تتساقط الوعود الحكومية تباعاً أمام الواقع الاقتصادي المتردي، حيث تحولت صخب الافتتاحات الوهمية التي روج لها قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي إلى هياكل خرسانية مهجورة تعاني الإفلاس والعزلة خلال شهر طوبة الماضي.

 

​وفيما تتابع الهيئات الاقتصادية انهيار منظومة التشغيل الكلي، تتصاعد معدلات البطالة الحادة بين آلاف العمال المسرحين قسرياً جراء إغلاق تلك المنشآت الوهمية مع بداية شهر أمشير المنصرم.

 

​أبراج خاوية ومصانع بلا إنتاج

 

​وعلى الصعيد الميداني، تحولت مجمعات المصانع الكبرى إلى مساحات مهملة تفتقر لأبسط المقومات الأساسية للتشغيل، مما أدى إلى تبديد هائل في الموارد المالية التي تم ضخها عبر قروض خارجية باهظة.

 

​وفي هذا السياق، أكد الدكتور إبراهيم الملا، الباحث الاقتصادي المتخصص في سياسات التنمية المستدامة، أن تلك المشروعات أُقيمت بعيداً عن أي دراسات جدوى حقيقية، لتصبح عبئاً مالياً إضافياً يثقل كاهل الموازنة العامة خلال شهر برمهات.

 

​وعلاوة على ذلك، تعطلت خطوط الإنتاج المستوردة قبل أن تبدأ دورتها التشغيلية الفعلية، نتيجة غياب قطع الغيار والصيانة الدورية واحتكار الوكلاء لتوريد المواد الخام بأسعار تعجيزية تفوق قدرة السوق المحلية.

 

​ومن جهة أخرى، انعكست هذه الفوضى الإدارية على مناخ الاستثمار العام، مما دفع كبرى الشركات العالمية إلى تجميد خطط التوسع والهروب نحو أسواق إقليمية أكثر استقراراً وشفافية تنظيمية.

 

​وبصرف النظر عن الشعارات البراقة التي تُرفع في المؤتمرات الرسمية، تشهد السجلات الحكومية تناقضات صارخة بين الأرقام المعلنة لعدد المصانع العاملة وبين الواقع الفعلي المتمثل في الأقفال المغلقة.

 

​وفي هذا السياق المرير، تلاشت الآمال المعقودة على تلك المشروعات في توفير فرص عمل مستدامة للشباب، وتحولت المجمعات الصناعية إلى مجرد واجهات دعائية تستخدم للتغطية على تفاقم الأزمة الاقتصادية.

 

​علاوة على ذلك، تراكمت الديون على أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة بسبب فرض ضرائب ورسوم باهظة من قبل الأجهزة البيروقراطية دون توفير أي حماية أو دعم حقيقي للمنتج المحلي.

 

​وفي أتون هذه الأزمات المتتالية، فقدت البنوك الوطنية قدرتها على تمويل القطاع الإنتاجي، واتجهت لتوظيف ودائعها في أذون الخزانة الحكومية لضمان أرباح سريعة بعيداً عن مخاطر الاستثمار الصناعي.

 

​ونتيجة لهذه السياسات العشوائية، تحولت المدن الصناعية الجديدة إلى أشباح خاوية تفتقر للمرافق الأساسية، وتغيب عنها تماماً أبسط مقومات جذب المستثمرين الجادين في شتى القطاعات التنموية الحيوية.

 

​تبديد القروض وهدر المال العام

 

​وفي غضون ذلك، توالت التحذيرات الصادرة عن الدوائر المالية المستقلة بشأن الاعتماد المفرط على الاقتراض الخارجي لتمويل مشروعات قومية كبرى خلت من الجدوى الاقتصادية الحقيقية خلال شهر بؤونة.

 

​وبدوره، أوضح الدكتور ممدوح سلامة، الخبير الاقتصادي الدولي المتخصص في اقتصاديات الطاقة والتمويل، أن التوسع في الإنفاق على البنى الخرسانية الاستعراضية تسبب في استنزاف العملة الصعبة وتفاقم أزمة الديون الخارجية بشكل خطير.

 

​ومن ناحية أخرى، أدت الأعباء التمويلية الضخمة لسداد أقساط القروض إلى تقليص حاد في المخصصات الموجهة لقطاعات التعليم والصحة، مما زاد من معاناة الطبقات الفقيرة بصورة غير مسبوقة.

 

​وفي السياق ذاته، أظهرت التقارير المصرفية تعثر مئات الشركات الحاصلة على تمويلات مدعومة، حيث عجزت عن الوفاء بالتزاماتها المالية بعد توقف المصانع وافتقارها التام للأسواق المستدامة.

 

​وبغض النظر عن وعود التعافي، تحولت تلك المشروعات المتعثرة إلى عبء تمويلي مباشر وثقيل على الجهاز المصرفي الذي بات يواجه مخاطر الديون المعدومة المتراكمة في سجلاته خلال شهر أبيب.

 

​وفي هذا السياق المالي المأزوم، غابت الشفافية تماماً عن مسارات تخصيص الأراضي وإنفاق العائدات الناتجة عن بيع الأصول العامة، مما غذى مخاوف المؤسسات الدولية حيال استدامة المالية العامة.

 

​فضلاً عن ذلك، أدى تراجع الإنتاجية الصناعية إلى تفاقم عجز الميزان التجاري، حيث تستمر فاتورة الواردات في الارتفاع بينما تنكمش الصادرات الوطنية غير النفطية بشكل ملحوظ.

 

​وعلى صعيد متصل، تسببت قرارات تحرير سعر الصرف المتتالية في تآكل رؤوس أموال المصانع الصغيرة، لتصبح عاجزة تماماً عن تدبير الاعتمادات المستندية اللازمة لاستيراد مدخلات الإنتاج الأساسية.

 

​وفي نهاية المطاف، تبخرت مليارات الدولارات التي أُنفقت على تلك المشروعات دون أن تترك أي أثر إيجابي في هيكل الناتج المحلي الإجمالي، مما يعكس فشلاً ذريعاً في أولويات الإنفاق.

 

​بطالة واسعة ومستقبل عمال مجهول

 

​وفي خط موازٍ، تجلت التداعيات الاجتماعية القاسية لتلك الإغلاقات في تسريح آلاف العمال المفاجئ دون تعويضات عادلة، مما ألقى بأسرهم في دائرة الفقر المدقع منذ شهر مسرى.

 

​ومن جهته، شدد الدكتور نبيل عبدالفتاح، الأستاذ المساعد بقسم علم الاجتماع السياسي، على أن غياب شبكات الأمان الاجتماعي الحقيقية يفجر احتقانات طبقية واسعة النطاق نتيجة الإغلاق المتعاقب للمصانع.

 

​وبناءً على ذلك، تعجز برامج الدعم الحكومي الهزيلة عن تلبية الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، في ظل معدلات تضخم فلكية تلتهم الرواتب المحدودة وتضاعف من أعباء الأسر.

 

​وفي هذا السياق المعيشي القاسي، تتزايد هجرة الكفاءات الفنية والمهندسين نحو دول الخليج وأوروبا، بحثاً عن بيئة عمل عادلة تقدر الخبرات وتوفر عائداً مالياً يحفظ الكرامة الإنسانية.

 

​وعلاوة على ذلك، تفقد المنظومة التعليمية والتدريبية مبرر وجودها مع انقطاع الصلة بين مخرجات المعاهد الفنية وبين أسواق العمل المحلية التي باتت تعاني شللاً كاملاً وإغلاقاً شبه تام.

 

​ومن جهة ثانية، تتسع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية بشكل غير مسبوق، حيث يرتفع تركيز الثروة في يد قلة احتكارية بينما يتراجع قطاع واسع من الشعب نحو الفقر.

 

​ونتيجة لتلك المؤشرات القاتمة، تتراجع الثقة المجتمعية تماماً في كل الخطابات والوعود الحكومية المتعلقة بالتنمية المستدامة، وسط شعور عام بالخداع وخيبة الأمل العميقة بين المواطنين.

 

​وفي ظل انسداد الأفق الاقتصادي، تبحث الأسر عن سبل بديلة للنجاة والتكيف مع غلاء المعيشة، متجاوزة القنوات الرسمية التي أثبتت فشلها الذريع في إدارة الملف المعيشي.

 

​وبهذا، يختتم المشهد الصناعي في مصر فصول مأساة اقتصادية كبرى عنوانها الإفلاس والتعطيل الهيكلي، بينما يبقى العمال وحدهم يدفعون باهظ الثمن جراء السياسات الارتجالية والقرارات الفوقية غير المدروسة