أشعلت المزاعم الأخيرة الصادرة عن رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي موجة غضب عارمة بين عائلات المعتقلين السياسيين، إثر تبريره استمرار احتجازهم بخشيته من تعرضه للقتل على أيديهم حال إطلاق سراحهم، وملاقاته مصير أنور السادات.
واستندت تلك التبريرات القمعية إلى مغالطة تاريخية فادحة خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة بمناسبة ذكرى حرب أكتوبر، عبر الادعاء بأن المفرج عنهم بين أعوام 1970 و1981 هم من نفذوا حادثة المنصة الشهيرة.
تزييف الحقائق التاريخية لتبرير التنكيل
وفي هذا السياق، فند الباحث والحقوقي ومدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان هيثم أبوخليل تلك الرواية، مؤكدا أن أعضاء جماعة الإخوان المسلمين المفرج عنهم من سجون جمال عبدالناصر بين 1970 و1974 لا علاقة لهم بحادثة 6 أكتوبر 1981.
وعلاوة على ذلك، أوضح أبوخليل أن منفذي عملية الاغتيال هم ضباط الجيش: الملازم أول خالد الإسلامبولي، والملازم أول عطا طايل، والنقيب عبدالحميد عبدالسلام، والرقيب حسين عباس، وجميعهم لم يسبق اعتقالهم نهائيا في عهد السادات.
ومن جهتهن، دحضت زوجات المعتقلين السياسيين هذه الاتهامات جملة وتفصيلا، مؤكدات أن أزواجهن قادة رأي وفكر وأصحاب علم وثقافة، ولم يتورط أي منهم في حمل السلاح أو ارتكاب جرائم عنف طيلة حياتهم.
وبالإضافة إلى ذلك، شددت الزوجات على أحقية ذويهن في الحرية بعد قضاء 13 عاما ونصف داخل الزنازين دون جريمة سوى الدفاع عن حق المصريين في اختيار حكامهم، محذرات من نية مبيتة لتركهم يواجهون الموت البطيء.
وفي السياق ذاته، روت إحدى الزوجات كيف تحول بيتها الذي كان يقصده أصحاب الحاجات وطلاب الأزهر لتلقي دروس مجانية في الشريعة واللغة إلى مكان يعلوه التراب منذ تغييب زوجها الداعية والإمام لأكثر من 13 عاما.
ومن ناحية أخرى، أشارت زوجة ثانية إلى اعتقال نحو 10 أشخاص من عائلتها وعائلة زوجها، بينهم الطبيب والمهندس والصيدلي والموجه التعليمي والطلاب المتفوقون، مؤكدة أن بعضهم أنهى فترة حكمه ويعاني الأمراض دون إخلاء سبيله.
تغييب الكفاءات العلمية وتدمير المجتمع
وعلى صعيد متصل، استنكر الطبيب والحقوقي الدكتور أشرف عبدالغفار محاولات طمس التاريخ الطويل من العمل العام وخدمة المجتمع لأغلب المعتقلين السياسيين، متسائلا عن كيفية تصديق هذه الأكاذيب الباطلة التي يروجها رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي.
وفضلا عن ذلك، خاطب عبدالغفار الشعب المصري مذكرا بأن من أوصل البلاد إلى هذا المنحدر من الفقر والجوع والديون وغلاء الأسعار وبيع المقدرات لا يمكن أن يكون صادقا في ادعاءاته ضد خصومه السياسيين.
كما أضاف عبدالغفار، مستندا إلى شهادته كطبيب مجند وقت حادثة المنصة، أن قائد المستشفى العسكري والمسؤول الطبي عن العرض أبلغه حينها بغياب التفتيش الأمني لحماية الاحتفال للمرة الأولى، ما يؤكد أن رفاق الحكم هم من دبروا الحادث.
وبالمثل، لفت عبدالغفار إلى أن الانقلاب تأسس على شيطنة الإسلاميين لاستمداد شرعية زائفة، بينما يقبع في الزنازين وزراء وبرلمانيون وأساتذة جامعات ورجال أعمال قدموا الخير للمصريين عبر المستشفيات والمدارس والجمعيات الخيرية منذ عهد السادات وحتى انتخاب محمد مرسي في 2011.
وتبعا لذلك، تضم قائمة المغيبين قسرا نحو 165 عالما وأستاذا جامعيا منذ بداية الانقلاب، من أبرزهم الخبير الاقتصادي عبدالله شحاتة، وأساتذة الجامعات محمد بديع، ومحمود عزت، ورشاد البيومي، وسعد الكتاتني، ومحمد علي بشر، ومحمد البلتاجي، ومحمود غزلان.
وإلى جانب هؤلاء، يقبع خلف القضبان الأكاديميون عبد الرحمن البر، وصلاح سلطان، وباسم عودة، وحسن البرنس، ومحمود أبوزيد، وعبدالخالق فاروق، والمهندس يحيى حسين عبدالهادي، والسفير رفاعة الطهطاوي، والمرشح الرئاسي حازم أبوإسماعيل، والبرلماني عصام سلطان.
ونتيجة لهذا الإهمال المتعمد، ارتقى داخل السجون عدد كبير من العلماء والمفكرين، من بينهم الدكتور طارق الغندور في 2014، والدكتور فريد إسماعيل في 2015، ومحمد مرسي في 17 يونيو 2019، وعصام العريان في 2020، والباحث الاقتصادي أيمن هدهود في 2022.
إنسداد الأفق القانوني وانتفاضة الزنازين
وفي ضوء هذه التطورات، أكد المحامي والخبير القانوني والحقوقي خلف بيومي أن هذه التصريحات أصابت أسر أكثر من 60 ألف معتقل سياسي بصدمة بالغة، لتأكيدها رفض أي مصالحة وطنية أو حلحلة لهذا الملف المستمر منذ أكثر من 13 عاما ونصف.
وعلاوة على ما سبق، أوضح بيومي أن هذه الصدمة تضاعفت لصدورها بعد أسبوعين فقط من إقرار مجلس النواب في 30 سبتمبر الماضي، وبطلب مباشر من رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي، تأجيل تطبيق تعديلات قانون الإجراءات الجنائية لمدة عام كامل.
وبناء على ذلك، أشار بيومي إلى أن هذا التأجيل أجهض آمال إخلاء سبيل المعتقلين القابعين رهن الحبس الاحتياطي منذ فترات وصلت إلى 8 سنوات، ليقطع الطريق أمام أي انفراجة حقوقية حتى نهاية الولاية الرئاسية في 2030.
وردا على هذا الانسداد، انطلق حراك احتجاجي تحت مسمى طوفان السجون خلال أيام 7 و8 و9 أكتوبر الجاري داخل سجون المنيا شديد الحراسة، والعاشر من رمضان، وبدر 1 و3، والوادي الجديد، وأبوزعبل للمطالبة بالحرية وتحسين الأوضاع المعيشية.
وفي المقابل، واجهت الأجهزة الأمنية هذا الحراك السلمي بالقمع الوحشي والتغريب إلى سجون نائية والحبس الانفرادي والمنع من التريض والزيارات، مع إيداع نحو 20 معتقلا بسجن بدر 3 في زنازين العزل وتجريدهم من الملابس والأغطية والأدوية.
وإثر تلك الانتهاكات، دخل عدد من المعتقلين في إضراب كامل عن الطعام منذ أكثر من 7 أيام وسط تدهور خطير في حالاتهم الصحية، وتلقيهم تهديدات أمنية مباشرة بالتأديب والنقل القسري واعتقال ذويهم خارج الأسوار.
وفي ختام هذه المواجهات، أعلنت تنسيقية حراك السجون المصرية انطلاق الموجة الثانية تحت شعار نداء بنات مصر من 24 وحتى 30 أكتوبر الجاري، للمطالبة بإنهاء ملف أكثر من 1090 معتقلة سياسية، ووقف سياسة التدوير، وإطلاق سراح من أنهوا أحكامهم.

