تطيح موجة استحقاقات الديون الخارجية العاتية باستقرار المعيشة في مصر خلال العام المالي 2026/2027 وسط التزامات واجبة السداد تبلغ 60.9 مليار دولار تهدد بمزيد من الأعباء والضغوط التضخمية القاسية
تفرض بيانات البنك الدولي واقعاً مالياً مأزوماً يلزم الدولة بسداد نحو 60.9 مليار دولار في الفترة من يوليو 2026 حتى يونيو 2027، نتيجة ارتفاع تكلفة الاقتراض العالمي وتآكل موارد النقد الأجنبي.
وعلاوة على ذلك، تتزايد المخاوف الشعبية حول الكيفية التي ستدبر بها السلطة هذا المبلغ الضخم، وما إذا كانت انعكاساته ستصل للمواطن عبر زيادات سعرية جديدة وخفض للدعم وفرض ضرائب إضافية.
جدولة خانقة تستنزف السيولة الدولارية المتاحة
وبناءً على التقارير الدولية، تتوزع المدفوعات المستحقة خلال العام المالي الحالي بواقع 19.4 مليار دولار بالربع الأول، و17.3 مليار دولار بالربع الثاني، و11.7 مليار دولار بالربع الثالث، و12.5 مليار دولار بالربع الأخير.
وفي السياق ذاته، تستحوذ أقساط القروض على النصيب الأكبر من هذه المدفوعات بإجمالي 53.83 مليار دولار، مقابل نحو 7.1 مليار دولار فوائد، مما يعكس التفاقم المستمر في تكلفة خدمة الدين الخارجي.
وفضلاً عن تلك الأعباء، تشمل الاستحقاقات نحو 19.1 مليار دولار عبارة عن ودائع وعملات مستحقة على البنك المركزي، يذهب معظمها إلى دول خليجية سبق أن قدمت دعماً مالياً لحكومة رأس النظام العسكري عبدالفتاح السيسي.
ومن جانبه، يؤكد الخبير الاقتصادي ومستشار صندوق النقد الدولي الأسبق الدكتور فخري الفقي أن تلاحق هذه الأرقام يلتهم الحصيلة الدولارية المتاحة، ويحرم القطاعات الإنتاجية من التمويل اللازم لتشغيل المصانع وتوفير السلع الأساسية.
تشابك الالتزامات وتصاعد المديونية الإجمالية للدولة
ومن ناحية أخرى، توضح البيانات أن الحكومة المركزية مطالبة بسداد 10.3 مليار دولار، بينما يتحمل البنك المركزي 21.65 مليار دولار، وتسدد البنوك التجارية 16.1 مليار دولار، فيما تتحمل القطاعات الأخرى 12.9 مليار دولار.
ورغم أن الجزء الأكبر من الديون لا يقع مباشرة على موازنة الحكومة، فإن تدبير النقد الأجنبي اللازم للسداد يمثل عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد ككل، ويربك السياسات المالية والنقدية المتبعة حالياً.
وبالتزامن مع هذه الاستحقاقات، عاد الدين الخارجي للارتفاع مجدداً خلال الربع الثاني من العام الحالي، بعدما زاد بنحو 1.68 مليار دولار ليصل إلى 166.45 مليار دولار مقارنة مع 164.77 مليار دولار بالربع الأول.
وعلى الرغم من انخفاض ديون الحكومة إلى 82.7 مليار دولار مقابل 82.84 مليار دولار، وتراجع ديون البنك المركزي إلى 37 مليار دولار مقابل 37.3 مليار دولار، استمر المسار التصاعدي للمديونية الكلية.
وبالإضافة إلى انخفاض ديون البنوك إلى 23.79 مليار دولار مقارنة مع 24.75 مليار دولار، فإن القفزة الكبيرة في مديونية القطاعات الأخرى إلى 23.4 مليار دولار مقابل 21.4 مليار دولار دفعت الإجمالي للصعود.
وفي هذا الإطار، يوضح أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية الدكتور جودة عبدالخالق أن التوسع في الاقتراض الخارجي يعكس خللاً هيكلياً في إدارة الموارد، حيث تُستنزف الأموال في مسارات غير مدرة للعائد الدولاري.
فاتورة التقشف وتآكل القوة الشرائية للمواطنين
ونتيجة لتلك السياسات، يبقى المواطن الطرف الأكثر تضرراً من أعباء الدين الخارجي، إذ يدفع توفير مليارات الدولارات الحكومة لاتباع إجراءات متشددة تشمل تقليص الإنفاق العام، وإعادة هيكلة الدعم، وزيادة الجباية الضريبية.
وتأسيساً على ذلك، تتجه السلطة لرفع أسعار الخدمات والوقود والكهرباء تدريجياً لتقليص عجز الموازنة استجابة لشروط المؤسسات الدولية، وهو ما يضاعف تكلفة المعيشة اليومية ويثقل كاهل الأسر المصرية المنهكة مالياً.
وإلى جانب ذلك، يؤدي توجيه موارد الدولة لسداد الأقساط والفوائد بدلاً من الاستثمار في الإنتاج والبنية الأساسية والتعليم والصحة، إلى تضييق الحيز المالي وتقويض قدرة الاقتصاد على تحقيق نمو مستدام.
علاوة على ما سبق، يفرض توفير العملات الأجنبية لسداد الالتزامات ضغوطاً عنيفة على سوق الصرف والجنيه، مما يرفع تكلفة واردات الغذاء والوقود والمواد الخام، ويشعل موجات التضخم وأسعار السلع الاستهلاكية.
ولهذا السبب، تتحمل الطبقات المتوسطة والفقيرة العبء النهائي لتراكم المديونية، سواء عبر التآكل المستمر في القوة الشرائية، أو تراجع الإنفاق الحكومي على الخدمات العامة، أو استمرار إجراءات التقشف القاسية بلا أفق واضح.
وتعليقاً على هذه التطورات، يرى الخبير في الاقتصاد السياسي الدكتور زهدي الشامي أن الاعتماد المفرط على الديون وتمرير تكلفتها للجمهور عبر التضخم ورفع الأسعار، يعمق الركود الاقتصادي ويدمر مستوى معيشة المواطنين.

