قد تطوف بالمؤمن في دروب هذه الحياة عواصف الابتلاء والمحن، وتُحاصره الكروب من كل جانب حتى يثقل قلبه بالهموم، وتضيق عليه الأرض بما رحبت، وتتقطع دونه حبال الأسباب المادية. وفي خضم هذه الظلمات المتراكمة، قد يوسوس له الشيطان بأن الفرج قد نأى، وأن أبواب الرأفة قد أُوصدت، غير أن حقيقة الإيمان الراسخ تأبى هذا القنوط؛ فالشدة مهما اشتدت فإنها مؤذنة بانبلاج صبح اليسر، واليقين الصادق يثمر استبشاراً بمعية الله التي لا تغيب، مصداقاً لوصية المصطفى صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا».

 

وهنا تتنزل قصة قوم نبي الله يونس عليه السلام كمنارة هداية تضيء عتمة اليأس؛ لتذكّر النفوس الحائرة بأن أعظم ما يملكه العبد في ساعات العسرة هو الفرار إلى الله، والانكسار بين يديه، وإحسان الظن برحمته التي وسعت كل شيء. لقد كان هؤلاء القوم نموذجاً لأمة غرقت في لجج العصيان والضلال حتى حقت عليها كلمة العذاب، غير أنهم تداركوا أمرهم في اللحظة الحرجة؛ فصدقوا في توبتهم وتضرعهم قبل أن ينزل بهم بأس الله الواقع، فكان جزاؤهم استثناءً إلهياً خالداً كشف الله به عنهم الخزي، ورفع به سحائب النقمة، ومدهم بالفسحة والتمتيع في الحياة الدنيا.

 

وليست هذه الواقعة مجرد حدث تاريخي طوته القرون، بل هي سنّة ربانية نافذة وقانون إيماني مطرد يسري على الأفراد والأمم في كل زمان ومكان. إنها رسالة تطرق قلب كل مكروب؛ بأن المعاناة من ضيق الرزق، وتتابع الأمراض، والشقاق الأسري، وعقوق الأبناء، وضغوط المعاش، إنما تجد مفتاح زوالها في التوبة النصوح والاستقامة على أمر الله؛ فالرجوع الصادق إلى الخالق كفيل بقلب موازين الشقاء إلى سعادة وسكينة، وفتح آفاق البركة التي تحيل الحياة إلى واحة طيبة وارفة الظلال.

 

 

حين يصدق الإيمان فتتبدد الكروب

 

يقف المتأمل في كتاب الله أمام آية جامعة تسجل حدثاً استثنائياً في تاريخ الأمم الغابرة، حيث يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: 98]. يُبيّن القرآن الكريم أن سائر القرى السابقة التي أصرت على الكفر والعتوّ لم ينفعها إيمانها بعد فوات الأوان ومجيء البأس؛ فقوم نوح، وعاد، وثمود، وفرعون، تمادوا في طغيانهم حتى حلّت بهم قاصمة الهلاك التي لا مرد لها.

 

أما قوم يونس، فقد تفرّدوا بهذا المشهد العظيم؛ إذ لمّا غادرهم نبيهم مغاضباً، ورأوا نذر العذاب تدنو منهم والغيوم السوداء تغشى سماءهم، استيقظت في قلوبهم فطرة التوحيد. خرجوا شيوخاً وأطفالاً ورجالاً ونساءً، بل وفصلوا بين الأمهات ورضعانها من الدواب، وتوجهوا بقلوب منكسرة ودموع صادقة يضجون بالدعاء والاستغفار إلى الله وحده، فكان الإيمان الذي لامس شغاف قلوبهم نافعاً منجياً؛ لأن توبتهم جاءت قبل حلول البأس المستأصل، فكشف الله عنهم عذاب الخزي الدنيوي ورفع عنهم الهوان. وتلك دلالة واضحة على أن رحمة الله تسبق غضبه متى أقبل العباد بصدق وافتقار.

 

 

جوهر التوبة النصوح

 

إن التوبة ليست كلمة تلوكها الألسن أو أمنية عابرة في لحظة انكسار، بل هي ثورة باطنية تصحح مسار العبد وتبدل اتجاهاته. وقد علمنا القرآن الكريم أن اللجوء إلى الله بكلمات التوحيد والاعتراف بالتقصير يرفع البلاء حتى من أطباق الظلمات، كما حدث مع نبي الله يونس عليه السلام حين نادى في بطن الحوت: ﴿فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ۝ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: 87-88].

 

وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم فضل هذا الدعاء العظيم فقال: «دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذْ دَعَا وَهُوَ فِي بَطْنِ الحُوتِ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ». فمتى جمع العبد بين استغفار قوم يونس ودعاء نبيهم، انفتحت له مغاليق الأمور؛ ذلك أن الله تعالى يحب التائبين ويفرح بأوبتهم، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا». والتوبة تمحو ما قبلها، كما صح عن المعصوم صلى الله عليه وسلم: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ».

 

 

من ضنك الأزمات إلى رحابة الحياة الطيبة

 

إن الآية الكريمة، وإن نزلت في قوم يونس، فإن عبرتها عامة تتسع لكل إنسان يجد في دنياه ضيقاً وعنتاً. فكم من عبد أثقله قلة الدخل وتراكمت عليه الديون، وكم من جسد أنهكته الأسقام وتوالت عليه الآلام، وكم من بيت باتت تعصف بأركانه الخلافات الزوجية، أو اكتوى قلبه بعقوق الولد، أو ضاقت عليه بيئة عمله وجواره بالأذى والمضايقات! كل هذه المنغصات هي في ميزان الشرع أسباب تدعو إلى مراجعة النفس، وتجديد العهد مع الله؛ لأن حرمان الرزق ونقص البركة قد يكونان أثراً من آثار الغفلة والمعصية.

 

فإذا قام العبد فأحدث لكل ذنب توبة، واستقام على أمر ربه، وأخلص في سريرته وعلانيته، فإن وعد الله نافذ لا يتخلف: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ ‌حَيَاةً ‌طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. والحياة الطيبة ليست بالضرورة تكديساً للأموال وخلوّاً تاماً من الأقدار، بل هي انشراح الصدر، وراحة الضمير، والرضا بالقضاء، والبركة في القليل؛ وقد جعل الله الاستغفار والتوبة مدراراً للخيرات ودواءً للأزمات: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ۝ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ۝ وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: 10-12]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ».

 

 

 التوحيد الخالص وثمار التمتيع والبركة إلى حين

 

حين قال الله تعالى عن قوم يونس: ﴿وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾، بيّن المفسرون أن هذا التمتيع يشمل إمدادهم بفسحة في العمر، وإنزال السكينة في ديارهم، وسلامة أبدانهم وأسماعهم وأبصارهم وعقولهم إلى أن يحين أجل كل فرد منهم. والمؤمن حين يحقق التوحيد الخالص، فيُفرد الله بالدعاء والرجاء، وينبذ التعلق بغيره من مظاهر الشرك والرياء، يحظى بهذا التمتيع المبارك؛ إذ يصون الله له قواه الإدراكية والبدنية، ويبارك له في مسعاه وعمله.

 

وقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم المأثور الذي يسأل فيه ربه هذا التمتيع: «اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّاتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الوَارِثَ مِنَّا». إن الذين يتمسكون بشرع الله تمسكاً وثيقاً لا يفعلون ذلك لمجرد يقينهم النظري بأنه الحق فحسب، بل لأنهم يشهدون بأم أعينهم في واقع الحياة النتائج الباهرة لمن سار على هدي النبوة؛ فيجدون الطمأنينة التي تنزل على البيوت، والسكينة التي تعمر الصدور، والتوفيق الإلهي الذي يُيسر الصعاب ويكلأ المسيرة بالرعاية والحفظ.

 

 

سنن الله في الأفراد والأمم.. طريق النهوض والإياب

 

إن قصة قوم يونس تؤسس لقاعدة اجتماعية ودعوية كبرى: ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رُفع إلا بتوبة. والآية القرآنية تخاطب الجماعات والأمم مثلما تخاطب الأفراد؛ فالشعوب والمجتمعات التي تعاني من أزمات طاحنة، وفقر مدقع، وتفكك اجتماعي، لو فزعت إلى الله كما فزع قوم يونس، فنبذت المظالم، وأقامت العدل، وطهرت معاملاتها من الربا والفساد، لأفاض الله عليها من بركات السماء والأرض، وكشف عنها عذاب الخزي والمهانة: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 96].

 

إن التغيير المنشود في كل أزمة يبدأ من داخل النفس البشرية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. فطوبى لكل من استدرك أمره فبادر بالتوبة قبل فوات الأوان، وجعل من محراب الرجوع إلى الله حصناً يعتصم به من كوارث الدهر؛ فإن صدق الإنابة يمحو عظيم الزلل، وباب الكريم مفتوح لا يُغلق في وجه قاصد، وفضل الله واسع يؤتيه من يشاء، وهو الغفور الرحيم.